تعددت الحملات (أو مايسمى بالحملات) التوعوية التي تقوم بها جهات عديدة ومختلفة، وكأننا سلمنا من الاسابيع السنوية المتنوعة لتأتي هذه الحملات المتكررة. هذه الحملات جيدة في أفكارها الرئيسية لكن التنفيذ يبين انها حملات غير مكتملة المواصفات، وتعددها بهذا الشكل غير المكتمل يفقدها المصداقية كما يضع الجهات المنفذة في وضع غير جيد أمام المواطن والمقيم، حيث ذاكرة الناس جيدة وحين يسمعون بمسمى حملة لايرون منها سوى بعض فلاشات الإعلام ثم يبدأ التشكيك في مصداقية وكفاءة الجهة المنفذة..كثيرة هي الحملات: حملة ترشيد المياه، حملة حصر الوظائف الشاغرة، حملة الصحة النفسية، حملة السمنة، حملة محو الأمية، حملة التعداد السكاني..وغيرها، لكننا نأخذ مثالاً لحملتين من تلك الحملات..
حملة ترشيد استهلاك المياه بدأت قوية إعلامياً ودعمتها القياده العليا بقوة، مادياً ومعنوياً، وقد أرتكزت فكرتها على توزيع أدوات مساعدة في ترشيد المياه، لكن الزين مايكمل. بحثت في إعلانات الصحف الملونة ، التي احتلت صفحات كاملة في أغلب صحفنا المحلية، وتصريحات المسؤولين عن الحملة فوجدت مامفاده توزيع أدوات مساعدة على تقليل الاستهلاك بشكل مجاني، لكن لم أجد من يدلني على الطريقة التي أحصل بها على تلك المواد؛ هل أزور وزارة المياه؟ هل أكتب طلباً؟ هل أحضر ملفاً علاقياً أخضر؟ هل ستصل الأدوات إلى بيتي؟ قرأت وتحمست لكنني لم أجد أهم معلومة أحتاجها كمواطن حول الحملة، وهي كيف الحصول على ماذكر بأنه مجاناً؟ هذا جانب أما الجانب الآخر في الحمله فيتمثل في كون غالبية الأمثلة والاستدلالات من قبل المسؤولين عن الحملة كانت تستعير ماحدث بدول أخرى، وكان الأولى إيجاد أمثلة من الداخل كأن يتم تطبيق التجربة على عينة من المنازل ومن ثم قياس النتائج التي تثبت انخفاض الاستهلاك، وتقديم ذلك لمتلقي الحملة المحلي ليكون ذلك أكثر صدقاً وقيمة في الإقناع.. بمعنى آخر، رغم ضخامة الحمله فإنها افتقدت أهم عنصر في الإقناع ألا وهو إمكانية نجاحها محلياً، كما افتقدت أو لم توضح بشكل كاف أهم معلومة أحتاجها كمواطن لديه الرغبة في الاستفادة من الحملة..
الحملة الثانية التي سأختارها كمثال، حملة مكافحة السمنة أو التخلص من السمنة التي تبنتها وزارة الصحة، فقد سمعت عنها ورأيت فلاشات الإعلام في افتتاحها ثم بعد ذلك نُسي الموضوع وكأنه كان مجرد حفلة وليس حملة ذات مدى زمني محدد. فكرة الحملة جيدة من الناحية الصحية، لكن التنفيذ أتى متواضعاً حين لم تطرح معايير لقياس نجاح الحملة من عدمه، ولم تطرح خطة زمنية واضحة للحملة، ولم تطرح برامج صحية وتوعوية محددة تساهم وتساعد الناس في التخلص أو التقليل من السمنة… لقد ماتت الحملة قبل أن تغادر مقر تدشينها، والانتقال إلى تدشين حملة صحية أخرى في موقع آخر وبعناوين إعلامية جديدة أخرى … بالتأكيد حملة وزارة الصحة لمكافحة السمنة لم ترتق إلى مستوى حملة ترشيد استهلاك المياه من ناحية القوة والدعم ، لكن هذه حملة وتلك حملة، ونحن نطرح أمثله قد تنطبق على حملات وطنية أخرى تقوم بها قطاعات أخرى…
أنا لا أقلل هنا من أهمية الحملات التوعوية في جميع المجالات، ولا أنكر جهود القائمين على تلك الحملات، لكنني أطالب بترشيد المسميات وتعريف المقصود بالحملات الوطنية والتفريق بين الحملة والمهرجان والحفلة، فخير لنا أن نقيم حملة واحدة ناجحة من أن نقيم عشر حملات غير ناضجة، لأننا نتعامل مع حالة تتطلب الإقناع وتتطلب تقديم البدائل وتتطلب التحفيز وتتطلب التسويق وتتطلب الاستمرارية والأهم من ذلك تتطلب قياس النتائج وتوثيقها، حتى نثبت بأن الحملات تؤتي أكلها وليست مجرد بهرجة إعلامية وهدر اقتصادي لاطائل منه.