ورث أملاكاً جيدة بمقياس أهل القرية وكان له أن يعيش ميسور الحال جراء زراعتها (حسب مقاييس القرية ذلك الزمان)، لكن الشاب عامر كان حالماً بتلك القصص التي يسمعها عن الخير الوفير في بلاد فلسطين والشام، وبحكم أنه شبه مقطوع من شجرة كما يقال، لم يثنه أمر عن الرحيل إلى تلك البلاد. كان أمراً طبيعياً في ذلك الزمن أن يرحل رجال المنطقة صوب الشام شمالاً أو صوب الحبشة جنوباً لأجل البحث عن لقمة العيش والتجارة والعلم أحياناً. قبل رحيل عامر ، منح أرضه لإحدى الأسر لتزرعها وتعتني بها، في عملية تسمى (الخبر) لدى أهل القرية. مرت السنوات و انقطعت أخبار عامر عن الديرة، فلا أحد يعلم أين هو، ولا هو سأل عن أرضه بالقرية أو عن القلة من أقارب الدرجة الثانية. الأسرة التي تعنى بأرضه حصل فيها بعض الشقاق حول محصول أرض عامر ومن له الأولوية بزراعتها، ووصل الأمر مداه، مع ابن الأسرة الشاب عبدالله، الذي اتخذ قرار المغامرة بالسفر إلى أرض الشام بحثاً عن عامر، فإما أن يعود معه للعناية بأرضه وإما أن يمنحه توكيلاً واضحاً لزراعة الأرض والاستفادة من محصولها. لم يكن يعرف محل إقامة عامر، لكنه واثق بأنه سيجد من يساعده من أبناء المنطقة هناك، الباحثين عن الرزق أو التجارة.
بعد بحث مضن في عمّان والقدس وغيرهما من الضواحي تم الاهتداء إلى مكان إقامة عامر بالقدس، وكان أحد أسباب صعوبة الوصول إليه هو تغييره لاسمه من عامر إلى محمد وحصوله على جنسية تسمح له بالإقامة الدائمة هناك. حدث عبدالله خاله (كان مجازاً يناديه خالاً) عامر عن أحوال القرية ومشاكل الأرض التي تركها واختفى، ودعاه للعودة إلى أرضه ليزرعها ويحميها من المعتدين. فكر عامر بالأمر كثيراً، فجاء جوابه غير المتوقع: يا ولدي لم يعد لي مكان بالقرية، أنا مستقر هنا ولدي عائلة ومن حديثك، لا ألمح وضعاً جديداً بالقرية يختلف عن ذلك الذي هربت منه. هنا كانت فرصة عبدالله، إذاً يا خال أريد منك توكيلاً بزراعة أرضك بالقرية، وحدي. وجاءت الإجابة الثانية غير المتوقعة: إن كنت جاداً فبإمكانك شراء أملاكي بالقرية، فأنا احتاج المال هنا، وليس لدي الرغبة في العودة أبداً…
تم الاتفاق على البيع حيث تدبر عبد الله بقية المبلغ من بعض أبناء المنطقة هناك وعاد إلى قريته حاملاً صك ملكية وليس مجرد وكالة للأرض. ولم ينس أن يأخذ صورة تذكارية مع (خاله) عامر، لازال يزين بها (صدر) مجلسه العامر حتى الآن…
بعد عقود من الزمن يتمنى عبدالله أن يعثر على عامر أو محمد لعله يريه كيف أصبحت قريتنا التي هجرها قبل خمسين عاماً.