جمعيات رعاية المرضى من يرعاها؟

العمل التطوعي أصبح مطلباً في كثير من جوانب الحياة، كمرادف ومكمل للعمل الرسمي، ونلحظ بأن الاقبال على الجانب الخيري والاجتماعي في المجال التطوعي، يكاد أن يتركز في مجال إنشاء الجمعيات الخيرية ذات المقاصد المعنية بمساعدة الفقراء والمحتاجين.

في المجال الصحي وجدت جمعيات خيرية مثل جمعيات أصدقاء المرضى، التي تؤدي أدوارا متميزة في تقديم الدعم والمساعدة للمحتاجين من المرضى مباشرة أو عن طريق دعم بعض البرامج الصحية كوسيلة غير مباشرة لدعم المحتاجين من المرضى، ونراها لم تعد كافية حيث الحاجة تبرز لإنشاء نوع جديد من أنواع الجمعيات التطوعية الصحية المتخصصة في مجال أو مرض محدد، كجمعية رعاية مرضى التوحد، جمعية رعاية مرضى وهن العظام، جمعية أصدقاء القلب… الخ ولكن المعضلة الرئيسية في قيام مثل تلك الجمعيات هي عدم وضح الإطار أو الوعاء النظامي والإداري الراعي لتلك الجمعيات.

قضية المرجع الرسمي والإطار التنظيمي للجمعيات الصحية التطوعية، هي المأزق الرئيسي الذي يواجهه القائمون على إنشاء الجمعية السعودية لرعاية مرضى السرطان، فبالرغم من كونها جمعية، أو فكرة جمعية، تحت الانشاء رحب بها وانضم إلى عضويتها نخبة من أساتذة الجامعات والأطباء والإعلاميين والاداريين وغيرهم، إلا أن الجميع يكاد يتفق على عدم وضوح المرجعية الادارية الواجب التقدم لها لتسهيل والاعتراف بقيام تلك الجمعية، وتكثر الاقتراحات في هذا الشأن فمن يرى بأن تكون الجمعية تحت اشراف وزارة الصحة، ومن يرى بأن تكون تحت اشراف الغرفة التجارية، ومن يرى بأن تكون تحت إشراف الجامعة، ومن يقترح البحث عن شخصية اجتماعية لها القدرة على تبني وتسهيل مهمة إنشاء الجمعية، وغير ذلك من الاقتراحات التي تدل على عدم وضوح، أو ربما عدم وجود الجهة الادارية ذات الصلاحية الواضحة في إقرار والاشراف على قيام مثل هذا النوع من الجمعيات التطوعية، ولا أريد الاسهاب في تفصيل الحديث عن خطوات إنشاء تلك الجمعية المقترحة، جمعية رعاية مرضى السرطان، لأن هناك من هو أقرب وأولى بشرح تلك الخطوات، وما وصلت إليه، ولكنني انطلق من هذه النقطة لأكرر حديثا سبق أن أوردته عن الجمعيات في المملكة، التطوعية منها والمهنية*، وتحديداً تكرار الدعوة إلى ضرورة ايجاد أو ايضاح المرجعية الادارية المناسبة لتولي والاشراف على هذا النوع من الأعمال التطوعية الخيرية الاجتماعية الإنسانية، وللإلمام بالموضوع نشير إلى أنه يوجد لدينا في المملكة، ثلاثة أنواع من الجمعيات:

النوع الأول هو الجمعيات العلمية، وأدوار هذه الجمعيات محصورة في الجوانب العلمية والاكاديمية التي تخدم المتخصصين في مجالها، وهي جمعيات تتبع وزارة التعليم العالي، وتوصف بأنها جمعيات أكاديمية علمية، حتى وان وضع ضمن أهدافها خدمة المجتمع فشروطها ونظمها تحتكر ادارتها وقيادتها عن طريق الجامعات، ومساهمة غير الاكاديميين بها تكاد تنحصر في العضوية أو حضور بعض المؤتمرات والندوات التي تنظمها… في المجال الصحي هناك العديد منها ولكنها غيرمعنية بخدمة ورعاية المرضى ثقافياً واجتماعياً وإنسانياً ومعنوياً… وبالتالي فإن اقتراح قيام الجمعية السعودية لدعم مرضى السرطان تحت اشراف احدى الجامعات وفق نظام الجمعيات العلمية القائم، سيعني ببساطة تفريغها من أهدافها الحالية وإحالتها إلى جمعية أكاديمية، ينطبق عليها ما ينطبق على الجمعيات الاكاديمية الأخرى..

النوع الثاني هو الجمعيات الخيرية، وهي جمعيات تتبع لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ويوجد في كل منطقة تقريباً واحدة أو أكثر من هذا النوع من الجمعيات، ومشكلة الجمعيات الخيرية هو تشابه أهدافها العامة وعدم تخصصها، وأدوارها تكاد أن تحصر في الدعم للمحتاجين والفقراء والأيتام، ورغم انها الأقرب لمشروع جمعية السرطان السعودية، إلا أن الخشية تكمن في احتمالية عدم استيعاب نظام الجمعيات الخيرية لأهداف جمعية السرطان التي ستتراوح بين العلمية والتثقيفية والخيرية والاجتماعية والإنسانية في آن واحد ليس ذلك فقط، بل ان نظام الجمعيات التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية غير واضح المعالم في قضية التقدم بطلب إنشاء جمعية، فليس معروفاً عدد الأشخاص ونوعيتهم اللذين يحق لهما التقدم بطلب إنشاء جمعية، وليس معروفاً كم هو رأس المال المطلوب توفره، لقيام الجمعية، وليس معروف صيغة ومرجعية الادارة في حالة قيام الجمعية، وبالتالي فالأمر مبهم ويحتاج من يفسره ويوضحه للآخرين، واتمنى أن لا يكون تفسير هذا المبهم هو أن تعامل كل حالة بشكل منفرد، لأن هذا معناه عدم وجود النظام العام وتبقى المسألة عرضة للمزاج والقناعة الشخصية..

النوع الثالث هو الجمعيات المستقلة ادارياً، مثل جمعية الهلال الأحمر، وجمعية دعم مرضى السرطان، أو جمعية أصدقاء مرضى السرطان، يمكن أن تقوم وفق هذا النظام المستقل ولكن يتكرر السؤال ما هي خطوة البداية والخطوات التي تليها والتي يمكن اتباعها في مجال إقرار جمعية جديدة تعنى برعاية المرضى…

إذاً هناك صعوبة أولاً: في وضوح المرجعية الادارية للجمعيات التطوعية بصفة عامة، وثانياً: في تحديد الإطار التنظيمي والاداري للجمعيات التطوعية، وثالثاً: في شروط وطريقة التقدم بطلب إنشاء جمعية تطوعية سواء كانت في مجال خدمة مرضى السرطان أو غيره من الأمراض..

لابد أن أشير هنا إلى أن اهتمامي بهذا الموضوع ينبع أولاً مما تقدمه هذه الجمعيات من أدوار إنسانية واجتماعية بلدنا بحاجة إليها، بل وأدوار تنموية تمتد إلى دعم برامج العلاج والتعليم والتدريب المتعلقة بمجال تخصصها، كما هو الحال مع جمعيات أصدقاء المرضى التي لم تقتصر مساهماتها على الدعم المباشر للمرضى بل امتدت مساهماتها لدعم البرامج والمنشآت الصحية والتعليمية ذات العلاقة، وثانياً: لأن الجمعيات التطوعية المتخصصة سواء في المجال الصحي أو التعليمي أو الاجتماعي أو التنموي، تشكل وعاءً تنظيمياً ايجابياً مقبولاً لاستقطاب والحصول على دعم رجال الأعمال ومؤسسات القطاع الخاص. وأراه واقعا غير مقبول إكثار اللوم تجاه القطاع الخاص ورجال الأعمال والمواطنين بتقصيرهم في مؤازرة ودعم العمل التطوعي في المجالات الصحية والتعليمية والخدماتية بصفة عامة، وحين تأتي بادرة كبادرة إنشاء جمعيات دعم المرضى، ننثر الأشواك في طريقها ونسهم في تدني أو قتل الحماس لدى القائمين على هذه المبادرات القيمة.

الحديث عن الجمعيات التطوعية والخيرية يمتد إلى تلك التي تتبناها المؤسسات والأسر ووجهاء المجتمع، فهذا النوع من الجمعيات لدينا قليل انتشاره، والقلة هنا لا تعني إنكار دور ما هو قائم منها، ونعتقد مرة أخرى ان أحد الأسباب في ذلك هو عدم وضوح الأنظمة في هذا الشأن، فبعض رجال الأعمال أو المؤسسات أو الشركات نجدها تصرف الملايين في مشاريع خيرية وتطوعية وتود لو أخرجت تلك المبالغ تحت اشرافها وبشكل يحمل اسماءها لما لذلك من فوائد معنوية ودعائية، فما المانع، مثلاً، أن يوجد لدى المستشفى الخاص جمعية باسمه تحمل جمعية المستشفى لرعاية المرضى، وما المانع أن تنشئ شركة المقاولات جمعية خيرية باسم جمعية شركة المقاولات لدعم أبحاث أمراض القلب.. ماذا يمنع أن توجد جمعيات الأسر التجارية لدعم أعمال خيرة أو تطوعية محددة.. وحتى القطاع الحكومي لماذا لا يكون هناك جمعية المستشفى الجامعي الخيرية تستقطب الدعم الخيري للمستشفى، وجمعية أبحاث السرطان لدعم مركز أبحاث السرطان.. أتمنى أن تبادر وزارة العمل، أو أي جهة أخرى ذات علاقة، بتبني وتسويق إنشاء مثل هذه الجمعيات والبحث في معضلات قيامها ومسببات تأخر البت في الطلبات التي تقدم في هذا الشأن، وفي حالة وجود النظام نهيب بإظهاره وشرح نصوصه ليستفيد منه الآخرون، فنحن نرى ما تقوم به جمعيات أصدقاء المرضى وما تقوم به جمعية رعاية الأطفال المعوقين من جهود وخدمات متميزة، ونسأل لماذا لا يكون لدينا العشرات من هذه الجمعيات في كثير من المجالات..؟

الجمعية السعودية لرعاية مرضى السرطان

جاء ضمن مشروع جمعية رعاية مرضى السرطان ما يلي:

“الجمعية السعودية لرعاية مرضى السرطان، جمعية تطوعية تحت الإنشاء، مقرها المنطقة الشرقية، وتهدف للعمل على رفع مستوى الوعي بالأورام ومسبباتها وطرق العلاج والوقاية منها، ولتقديم العون المادي والمعنوي والصحي لمرضى السرطان بالمملكة العربية السعودية. وستقوم الجمعية إن شاء الله في حال صدور موافقة الجهات الرسمية بإنشائها بالاتصال بالوزارات والجهات الحكومية المعنية، ورجال الأعمال، والغرف التجارية الصناعية والمستشفيات الخاصة والحكومية ومعاهد الأبحاث العلمية والطبية لبحث امكانية تأسيس الجمعية على مستوى عال من الجودة والكفاءة”.

وضمن النشاطات المقترحة للجمعية جاء ما يلي:

7تنظيم زيارات لمرضى السرطان ومواساتهم وتفقد أحوالهم والتخفيف عنهم وتقديم الهدايا لهم.

7تنظيم حلقات توعية لعوائلهم والتراسل معهم بشكل دوري.

7تنظيم زيارات دورية لطلاب المدارس والجامعات وكافة أفراد المجتمع لتقديم الندوات من خلال نشاط التوعية الصحية ورعاية الأسرة، وكذلك إعداد وطباعة الكتيبات الصحية وتوزيعها عن الوقاية من السرطان.

7استقطاب عدد من المواطنين والمواطنات للتطوع بالعمل بالجمعية وايجاد حلقة التواصل بين المواطن والمريض لخدمة المجتمع.

7مراسلة رجال الأعمال والغرفة التجارية الصناعية، والجهات ذات العلاقة بغرض جمع التبرعات والحصول على الدعم المناسب.

7تقديم المساعدات للمحتاجين من مرضى السرطان.

7انشاء وصيانة موقع للجمعية على الانترنت.

7الاتصال بمعاهد الأبحاث العلمية والطبية لتقديم العون لمرضى السرطان.

7التنسيق مع وزارة الصحة لتقديم منح دراسية في الكليات المتخصصة وذلك لدعم توطين الوظائف الصحية.

* انظر المقالات التي كتبتها سابقاً وذات علاقة بموضوع مقال اليوم

1ـ تفعيل العمل التطوعي، نشر بتاريخ 1420/2/19هـ، وعدد

2.36/11301ـ المعلوماتية والجمعيات في زمن العولمة، نشر بتاريخ 1420/3/24هـ، عدد

3.36/11336ـ الارادة تهزم حتى السرطان، نشر بتاريخ 1420/6/20هـ، وعدد

أضف تعليق