هناك توجه لدى وزارة التعليم العالي والجامعات المختلفة نحو هيكلة البرامج الجامعية ومحاولة الارتقاء بمخرجاتها لتتوافق مع احتياجات سوق العمل مما قاد إلى إلغاء أو تقليص القبول أودمج بعض التخصصات وإحداث تخصصات أخرى. جامعة الملك سعود ، مثالنا في مقال اليوم، نسمع من مسؤوليها توجهها نحو هيكلة برامجها الجامعية على مستوى الكليات والأقسام المختلفة، لكنني سأطرح أمثلة تشير إلى أن هذه الهيكلة غير واضحة المعالم ويشوبها التناقض الذي لا يجعلها ترتقي إلى ما مانسمعه من تصريحات حولها.
سأبدأ بتخصصات الإدارة والأعمال فجامعة الملك سعود لا تزال تدرس تخصصات إدارة الأعمال والمحاسبة وغيرها من التخصصات الإدارية والمالية باللغة العربية وبطرق تقليدية تفتقد الاستفادة من عمليات التقنية الحديثة، وهذا يتنافى مع حاجة سوق العمل، فباستثناء الوظائف الحكومية الرسمية، والتي لا يفترض أن تكون الهدف الرئيسي لمخرجات التعليم، تعتبر اللغة الإنجليزية والقدرة على استخدام وسائل التقنية كالحاسب الآلي شرطاً اساسياً للعمل في قطاعات الإدارة والأعمال والمحاسبة، وهذا مايفتقده خريج جامعة الملك سعود. هذا يعني أن الجامعة لم تدرس احتياجات سوق العمل بشكل كاف، ولم تحرص على تحقيق تلك الاحتياجات.
المثال الثاني في موضوع الهيكلة سنركز فيه على الجانب الأكاديمي، فهذه كلية العلوم الطبية التطبيقية لديها برنامج إدارة الخدمات الصحية (إدارة مستشفيات) يقبل فيه خريج الثانوية، تخصص علمي بنسبة لا تقل عن 85% ، وفي نفس الوقت يوجد بكلية العلوم الإدارية برنامج الماجستير في إدارة المستشفيات يقبل خريجي الأداب والاجتماعيات وجميع التخصصات الصحية، بغض النظر عن نسبة الثانوية العامة وبغض النظر عن كون الثانوية العامة، علمي أم أدبي. هذا يعني اولاً وجود ازدواجية بين الكليتين أو البرنامجين، ويعني إما مبالغة كلية العلوم الطبية في شروط القبول بهذا البرنامج أو تنازل كلية العلوم الإدارية عن جودة برنامجها في الماجستير (اكتب هنا بشكل حيادي بعيداً عن وجهة نظري الخاصة تجاه بعض البرامج). عندما نتحدث عن هيكلة فإن أبسط مبادئها إلغاء الازدواجية، فهل ألغت الهيكلة بجامعة الملك سعود هذه الازدواجية بين بعض برامجها وكلياتها؟ لماذا لا يضم برنامج العلوم الإدارية في إدارة المستشفيات إلى العلوم الطبية أو العكس لماذا لا يضم برنامج كلية العلوم الطبية إلى برنامج العلوم الإدارية، طالما الاثنان موجودان بجامعة واحدة؟
هذا الأمر نراه في مثال آخر، ألا وهو تخصص التغذية فهناك تغذية تتبع لكلية العلوم الطبية التطبيقية وهناك تغذية تتبع لكلية الزراعة، والاختلاف بينهما يأتي في كون برنامج العلوم الطبية يركز على التغذية السريرية وبرنامج الزراعة على التغذية العامة. في الهيكلة أفترض أن يضم البرنامجان مع عدم إلغاء مسارات التخصص في السنة الأخيرة (على سبيل المثال ليتخصص الطالب في السنة النهائية في مجال التغذية السريرية أوالتغذية العامة أو صناعة الغذاء…إلخ) ، فليس من المنطق أن يتشابه التخصصان في كثير من المتطلبات وفي النهاية أحدهما يدرس باللغة العربية والآخر باللغة الإنجليزية وأحدهما يقبل خريج الثانويجةبنسبة 70% والأخر يقبل خريج الثانوية بنسبة 90% ، دون مبرر علمي واضح…
تلك كانت مجرد أمثلة للقول بأن هناك قصوراً في فهم هيكلة البرامج الجامعية حيث تراها جامعة الملك سعود، ومثلها جامعات أخرى، مجرد قفل بعض الأقسام أو افتتاح أقسام أخرى ، مع تجاهل للازدواجية الحاصلة داخل الجامعة الواحدة، ومع تجاهل المتطلبات الحقيقية لسوق العمل في تخصصات حيوية لهذا السوق كتخصصات العلوم الإدارية..
ربما كان من أسباب القصور، هذا غياب الرؤية الشاملة للهيكلة والتعامل مع الكليات والأقسام بشكل منفرد ومنعزل عن الآخر، رغم أن الحديث يأتي عن جامعة وليس عن كليات منفردة، أو ربما كان السبب هو أنانية أعضاء هيئة التدريس ومحاولة إدارة الجامعة إرضاء الجميع، فنحن لا نريد أن نغضب أساتذة العلوم الإدارية الذين لا يودون العمل مع كلية العلوم الطبية وكذلك لا نريد أن نغضب أساتذة العلوم الطبية التطبيقية الذين لا يودون الاندماج مع برنامج العلوم الإدارية، فإذاً يبقى الحال كما هو عليه…