* أصيب أحد الأطفال بمنطقة حفر الباطن بانتكاسة طبية مفاجئة، وتم نقله الى مركز طبي صغير في المنطقة، ولكونه لا يوجد بذلك المركز استشاري أطفال متخصص لديه خبرة في التعامل مع تلك الحالة التي أصبحت تهدد حياة الطفل، كان الرأي هو الاتصال بطائرة الاخلاء الطبي حالا ونقل المريض مع كادر طبي مرافق الى المستشفى التخصصي بالرياض، وان لم تتوفر طائرة الاخلاء الطبي فيكون البديل تجهيز سيارة الاسعاف ويبقى الامل ضعيفا في ان يصل الطفل حتى الرياض دون ان يحصل له مضاعفات خطيرة، وقد يحصل تأخير آخر بسبب عدم توفر سرير شاغر بالمستشفى التخصصي بالرياض..

تلك قصة ليست جديدة وتحصل يوميا في مستشفياتنا ومراكزنا الطبية بمختلف انحاء الوطن.. لو وجد لدينا نظام الطب الاتصالي الفعال لتم الغاء تلك الاحتمالات او جلها ولما تطلب الامر اكثر من انتقال الطبيب بمركز حفر الباطن الطبي الى غرفة صغيرة مجهزة بجهاز فيديو وكاميرا وجهاز صوت ليكون معه على الطرف الآخر الاستشاري المتخصص من المستشفى التخصصي يتابع الحالة اولا بأول ويعطي الارشادات اللازمة للتعامل معها، وفي الغالب سيتم توفير تكاليف الانتقال الى الرياض وتكاليف اشغال سرير بالتخصصي وتكاليف انتقال فريق طبي مرافق للمريض وربما يوفر حياة المريض التي قد تكون مهددة نتيجة المغامرة بنقله الى الرياض وعدم تلقيه العلاج المناسب في الوقت المناسب..

لقد برزت ثورة الطب الاتصالي بشكل كبير في العالم خلال السنوات الاخيرة، حتى أصبح ضمن اولويات المراكز والنظم الطبية المتقدمة، واصبح عنصرا اساسيا في الحديث عن تقدم الخدمات الطبية، رغم ان الطب الاتصالي بدأ تاريخيا منذ ما يزيد على ربع قرن من الزمان حينما اقدمت وكالة الفضاء الأمريكية في بداية الستينات الميلادية على نقل المعلومات الفسيولوجية والبيولوجية فضائيا من والى سفن ورحلات الفضاء المتتابعة، ثم واصلت ناسا جهودها في تبني عدة برامج في هذا المجال في السبعينات الميلادية، ولكن قبل الاسترسال في تاريخ الطب الاتصالي يجدر بنا تعريفه بصورة مبسطة.

الطب الاتصالي، أو ما أعرفه بالطب الاتصالي يعني نقل المعلومات والصور الطبية بكافة اشكالها الصوتية والمرئية والرقمية والبصرية، عبر قنوات الاتصال المتوفرة وابرزها في الزمن الحالي الانترنت والانترانت ووسائل الاتصال الفضائية وبالتأكيد الوسائل التقليدية مثل الهاتف وشبكة التلفزيون الداخلية.. وهذا ما يجعلنا نطلق عليه الطب الاتصالي (الاتصالي من الاتصالات).. وربما يكون هناك تعريب آخر لهذا الفرع الحديث من فروع الخدمات الطبية. ولكن نستخدم هنا المصطلح الشائع..

من خلال التجارب القائمة في العديد من الدول اتضح ان استخدام الطب الاتصالي ساهم في خفض التكاليف الاقتصادية لتقديم الخدمة الطبية بشكل كبير، وادى الى تحسين بيئة المعلومات والسجلات الطبية، حيث تطلب او رافق تطوره تأسيس بنية معلومات رقمية والكترونية متطورة في المجال الصحي، واثبت فعاليته الايجابية في تقديم الدعم والمساندة للمراكز الصغيرة في المناطق الريفية وفي مراكز الرعاية الاولية، حيث قلل وألغى في بعض الحالات ضرورة نقل المريض من المركز الصحي في المنطقة النائية الى المركز الصحي بالمدينة الكبيرة، حينما اصبح بالامكان نقل اشعة وتحاليل المريض عبر وسائل الاتصال الالكترونية ومناقشتها فيما بين الاستشاري صاحب التخصص الدقيق في المركز الكبير وزميله في المركز الصغير ومن ثم ابداء الاقتراح والرأي نحو خطوات العلاج وضرورة نقل المريض أم لا، فعلى سبيل المثال، يتم حاليا تحويل جميع مرضى القلب تقريبا الى الرياض او جدة من غالبية مناطق المملكة لعدم وجود الاستشاري بتلك المناطق وعدم وجود التجهيزات المناسبة للتعامل مع مثل هذه الحالات وبعد ان يتم تحويله يتم اعادة الفحوصات في المركز الكبير وتحديد مواعيد متلاحقة تستهلك وقت المريض وتتسبب في تكرار واجراء فحوصات وخطوات كان بالامكان اجراؤها في المركز الصغير، وفي حال تم تفعيل برنامج الطب الاتصالي، فإن الاستشاري المتخصص يمكنه اجراء مناقشة أو مؤتمر عبر شبكة الطب الاتصالي والاطلاع على نتائج فحوصات المريض والاطلاع على فحوصات تخطيط القلب وغيرها من التحليلات بيسر وسهولة وقد لا تزيد تكلفة ذلك عن ايجاد كاميرا ولاقط صوتي “مايكرفون” لدى كل من الطرفين، وهي تكلفة ربما لا تتجاوز عدة مئات من الريالات تسهم في تخفيض مئات الألوف من الريالات.

مثال آخر قد تحدث حالة طوارئ في منطقة نائية فبدلا من المغامرة باجراء غير مضمون لصيانة سلامة المصاب وبدلا من اجراءات نقل المريض التي قد تعرضه لمزيد من الخطر يمكن ان يكون على الطرف الآخر من المركز المتخصص استشاري يتابع حالة المريض مع أطباء المنطقة النائية ويوجههم نحو الاجراءات المناسبة.. فليس ممكنا في ظل ارتفاع فاتورة العلاج الطبي ايجاد مراكز متخصصة في جميع المناطق وليس ممكنا ايجاد كوادر تحمل تخصصات دقيقة في جميع التخصصات في جميع المناطق، كما ان عملية نقل المرضى حاليا الى المراكز الكبرى يشوبها كثير من العيوب ابرزها الكلفة المادية واهدار الوقت والجهود التي تقدمها الخدمات الصحية.

الفائدة الحيوية الأخرى للطب الاتصالي تكمن في مجالاته التعليمية والبحثية والتدريبية، حيث يمكن نقل المؤتمرات والندوات الطبية مباشرة الى جميع المناطق كما يمكن اجراء البحوث والدراسات المشتركة بيسر وسهولة حيث يوفر نظام الطب الاتصالي وسيلة فعالة لنقل المعلومات وتبادل الآراء حولها، وارى ذلك ضرورة في ظل توسعنا في التعليم الطبي والتوجه الى افتتاح كلية طبية وصحية في مناطق ليس لها خبرة كبيرة في التعليم الطبي وينقصها كثير من الكوادر البشرية والتجهيزات المناسبة، فيمكن على سبيل المثال ان تعقد ندوات ومؤتمرات واختبارات مشتركة فيما بين كلية الطب الحديثة بجازان وبقية كليات الطب ذات الخبرة في التعليم الطبي، وخصوصا في ظل صعوبة توفر الكوادر الطبية المتخصصة، فبدلا من ان يتجه استاذ من الرياض لتقديم محاضرة او اجراء نقاش طبي مع طلاب كلية الطب بجازان فيمكنه التواصل معهم عبر قنوات الطب الاتصالي، وغير ذلك من الفوائد والأمثلة التي يحققها نظام الطب الاتصالي في تطوير الخدمات الطبية والتعليم والبحث الطبي بما يتيحه من تبادل للمعلومات الطبية بيسر وسهولة وبكلفة قليلة مقارنة بالطرق التقليدية..

محليا لا نغفل وجود التجارب متمثلة في الاتصال الفضائي مع بعض المراكز العالمية بدأها مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث وتبعته بعض المراكز الاهلية والخاصة الأخرى، ولكنها تظل تجارب محصورة فائدتها في حالات فردية أو مؤسسات فردية، ولم ترتق لتكون تجربة وطنية، واضحة المعالم والأهداف، أما بالنسبة للطب الاتصالي على المستوى الداخلي، فأقرب البرامج الى ذلك هو تجربة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في التعاون مع مستشفيات وزارة الصحة، ولكنها تظل تجربة قصيرة زمنيا ومعتمدة على وسائل تقليدية داخل المملكة، مثل ارسال المتخصصين الى مختلف مناطق المملكة، ولم ترتق الى استخدام وسائل الاتصالات الالكترونية في ذلك التعاون، بدليل استعداد المستشفى لنقل مؤتمر الصحة الالكترونية الذي سيعقد بتخصصي جدة الى خمس واربعين دولة، ولكنه لن يتمكن من نقله لأكثر من مركز او مركزين طبيين داخل المملكة، بل ولن يتم نقل المؤتمر الى كلياتنا الطبية ومراكزنا العلمية المختلفة، التي هي بحاجة الى الاطلاع على الجديد في علوم الصحة الالكترونية، وهنا يأتي السؤال عن عوائق استخدام تقنية الطب الاتصالي بالمملكة؟من الأسباب التي أراها رئيسية في عدم تبني نظام الطب الاتصالي بشكل فعال ضمن نظامنا الصحي الحكومي والصحي التعليمي، هو الرهبة من الولوج في هذا المجال، وهي رهبة يعززها الجهل بهذه التقنيات والاعتقاد بأنها تقنيات معقدة وترف لا ضرورة له، ونرى ذلك يحدث مع الطبيب والاداري حينما يتم استقدام جهاز جديد او تقنية جديدة، فما بالنا وعدد لا يستهان به من اداريي واطباء قطاعاتنا الصحية والصحية التعليمية، يجهلون ابسط مبادئ استخدام الحاسب الآلي والبريد الالكتروني وغيرها من وسائل الاتصالات الحديثة ومن باب المكابرة نجدهم يترددون في الاستعانة بالمتخصصين لمساعدتهم في تبني تلك التقنيات وشرحها وتعليمها لهم، هذه حقيقة وان بدت مزعجة، الا اننا نطرحها كونها اصبحت عائقا في تبني كثير من المفاهيم التطويرية الحديثة ولست أتوقع أن يكون الجميع عالما بوسائل الاتصالات الحديثة بل انه ليس مطلوبا في مجال الطب الاتصالي أن يتعلم الطبيب شيئا من وسائل الاتصالات طالما وجد المتخصص في ذلك، ولكن المهم هو المام الاداري واطلاعه على أهمية التقنيات الحديثة في الخدمة الصحية بما فيها خدمات الطب الاتصالي، وجلب واعطاء الفرصة للمتخصصين للمساعدة والتنفيذ للبرامج المتطورة تلك.. وهذا يقودنا الى موضوع الكوادر البشرية في القطاع الصحي والحاجة الى اعادة النظر في سياسة التوظيف في القطاعات الصحية والتأكيد على ان القطاع الصحي لم يعد مجرد طبيب وممرضة، بل هو فريق من أهم عناصره في الوقت الراهن الكفاءات المتخصصة في مجال المعلومات الصحية والتقنيات الالكترونية في المجال الصحي، ولا غنى لنا عن الاستعانة بالمتخصصين في مجال المعلومات والتقنيات الصحية وغيرها من التخصصات المساندة للعمل الطبي، لأن هناك حاجة الى اعادة ترتيب نظام المعلومات والسجلات الطبية في القطاع الصحي الحكومي على مختلف مستوياتها وقنواتها وفق احدث الأساليب الادارية والتقنية الحديثة حيث أحد أوجه نجاح الطب الاتصالي هو تنظيم المعلومات وطرق انتقالها عبر وسائل الاتصال الحديثة، أو بمعنى آخر توفير البيئة الصالحة لاستخدام تقنيات الاتصالات في انتقال المعلومات الطبية والصحية والبحثية والتدريبية.. يبقى هناك عاملان آخران في مجال تبني برنامج الطب الاتصالي هما توفر التقنيات اللازمة، وتكاليفها الاقتصادية، ومن حسن الحظ هنا انها تقنيات متوفرة وسهلة الاستخدام والتعامل، لأنها كما سبق الاشارة قد لا تتعدى كاميرا ولاقطاً للصوت يتم تثبيتها فوق جهاز الحاسب الآلي في كل مستشفى، او شبكة تلفزيونية داخلية تربط بين المراكز المستفيدة، وكدليل على سهولة التقنية في هذا المجال فلقد تم استخدامها مؤخرا في معالجة ضحايا الكوارث الطبيعية التي حدثت في الهند وتركيا وروسيا وهندوراس، وغيرها من المناطق النائية، فرأينا وسائل الاعلام تنقل لنا صورة طبيب يقف في منطقة الزلزال في الهند حاملا حاسبه الآلي المتحرك والمثبت فوقه كاميرا صغيرة وجهاز التلفون، يناقش زميله في اليابان أو الولايات المتحدة حول اسلم الطرق للتعامل مع الحالات التي يصعب التعامل معها من قابل الاطباء المتواجدون في موقع الزلزال.

يجب أن أختم بالتأكيد بأن موضوع الطب الاتصالي يجب ان تعنى به جميع القطاعات الصحية التي تقدم الخدمة الصحية والتعليم الصحي، لأنه خيار المستقبل الذي تحتاجه بلاد مثل المملكة بمساحتها الشاسعة وتفاوت مستويات الخدمات الصحية المقدمة بها من منطقة الى أخرى ومن مدينة الى أخرى، وضعف الموارد الصحية ومحدوديتها امام تزايد الطلب على الخدمة الصحيـــة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *