قادت الثورة الصناعية في بداية القرن إلى التزام الدول بتقديم الخدمات للمواطن وعنايتها ببناء المدارس والمراكز الطبية والجامعات، والمراكز الاجتماعية والمواصلات والاتصالات وغيرها، ولكن في زمن العولمة والثورة التقنية والمعلوماتية وما بعد الثورة الصناعية أصبح التوجه هو تخلي الدول عن تلك المهمة بالتنازل للقطاع الخاص ليقدم الخدمات نيابة عن الدولة، واكتفاء الدولة بدور المنظم والمشرع، وقد أدى ذلك من وجهة النظر الإدارية إلى إيجابيات كبيرة أهمها تحسين الإدارة وتطوير نوعية الخدمات وكفاءتها، ولكن في الجانب الاجتماعي يأتي ذلك أحياناً على حساب العدالة الاجتماعية في المساواة في تقديم تلك الخدمات فبدلاً من أن يتساوى الجميع في فرص التعليم أصبح الغني يحصل على فرص تعليم أفضل من تلك التي يحصل عليها الفقير، وأصبحت المادة تلعب دورا في نوعية الخدمة التي يتلقاها الفرد.. الخ. التحدي يكمن في كيفية تمكن النظام الرسمي من القيام بكل أدوار الرقابة والتنظيم على مؤسسات القطاع الأهلي أو الخاص المحلي والدولي وفي نفس الوقت ضمان عدم ظلم أرباب مؤسسات القطاع الخاص للمستفيد من خدماتها، أو العامل لديها؟ الخشية هي أن تظلم فئة قليلة قادرة ومتمكنة الفئات الكبيرة الأخرى بسبب المطامع الاقتصادية والتجارية، بمعنى آخر يكون السؤال هو كيف تتمكن الحكومات من سد الثغرات الناتجة عن اقتصاد السوق الحر والخصخصة، وبالذات في جانبها الاجتماعي؟
الإجابة تأتي عبر تكوين مؤسسات المجتمع المدني، بمعناه الحديث الذي يتجاوز المجتمع الأولي (الحي، القرية، القبيلة، المدينة، المنطقة.. الخ) بحيث يصبح لدينا أولاً: الدولة أو النظام الرسمي،الذي يفترض أن تتحول أدواره من الناحية التنفيذية لتقديم الخدمة المباشرة إلى الناحية التنظيمية والتشريعية، قدر الإمكان، عبر آليات التخصيص الممكنة، وفق إطار قانوني وتنظيمي يسمح بالتنافس وفق طرق مشروعة ومنظمة غير محتكرة وغير مضرة بالصحة العامة وصحة المناخ والبيئة.. الخ ويصبح لدينا، ثانياً: القطاع الخاص المعني بالتنفيذ، ويصبح لدينا، ثالثاً: مؤسسات المجتمع المدني الحديثة المتمثلة في الاتحادات والجمعيات والمنظمات والنقابات الأهلية المهنية والتطوعية والمتخصصة وذات النفع العام، والتي تلعب دوراً كبيراً في ضبط الأداء وحفظ حقوق العاملين في المهن، عبر تبني الآليات التي تدفع نحو التجاوب مع المتطلبات التي ينشدها المواطن والعامل والمهني والمتخصص والمهتم.. الخ، تلك هي صورة المجتمع المدني التي تحفظ التوازن بين الرسمي والخاص وبين الكسب الذي ينشده التاجر والحقوق التي ينشدها المستفيد من الخدمة، و التي يتكون من خلالها ثلاثة أطراف فاعلة في عملية التنمية؛ الدولة أو القطاع الحكومي القطاع المنظم، القطاع الخاص المنفذ، وقطاع المجتمع المدني الفاعل في متابعة حقوق الأفراد والمهن والبيئة. طبعاً مع عدم الإخلال بالمكونات الرئيسية للسلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية..
لا أنسى سؤالنا المحلي؛ أين وصلت مناقشات مؤسسات المجتمع المدني بمجلس الشورى؟