تمخض التعليم العالي فولد نظاماً 1/2

منذ سنوات ونحن نسمع عن مراجعةٍ وشيكةٍ لنظام التعليم العالي والجامعات، مراجعةٍ كانت حجةً لتأجيل كثير من الإصلاحات في مجال التعليم العالي، حتى تصورنا بأن النظام الجديد سيكون متميزاً بحجم الانتظار، لكن ما طرح بالصحف ويناقشه مجلس الشورى لا أراه يرتقي إلى المستوى المأمول. رغم أن البعض، ومن واقع طموحاتهم، سيرون في النظام الجديد تقدما ولست ألومهم على ذلك فهم كمن يعتقد أنه حين خرج من خيمة عادية إلى خيمة مكيفة وصل قمة الرفاهية، لأنه لم يعتد أو لا يستطيع الحلم بالعيش في العمائر أو القصور الشاهقة! 

بداية، لقد اعترى نظاميء المجلس الأعلى للتعليم والجامعات تواضع في الصياغة اللغوية والتعبيرية والقانونية، لا تليق بنظام صاغه قادة الفكر في بلادنا (حسب الافتراض أو المفترض) ويتضح ذلك من الأسطر الأولى لنظام المجلس الأعلى للتعليم، على سبيل المثال الفقرة الثانية غير دقيقة في صياغتها حين جعلت ولي العهد نائباً لرئيس المجلس والمفترض أن يأتي النص على أن نائب رئيس مجلس الوزراء هو نائب رئيس المجلس، تغيير النص قد لا يغير الأمر لكنه دلالة على ضعف الدقة القانونية في الصياغة… في نفس المادة ذكر النص “أربعة من ذوي الخبرة يعينهم رئيس المجلس والأعضاء الدائمون لمدة ثلاث سنوات” تصورت أن التعيين لا يكون سوى من قبل رئيس المجلس فهل يشارك بقية الأعضاء في التعيين أم في الترشيح، أم ما هو المقصود؟ لن أكمل التدقيق في الصياغات أو في مناقشة النظام فقرة فقرة، فذلك أمر يطول ويكفينا الدلالات …

هناك عدم وضوح لدى واضع النظام بين مستويات المجالس المختلفة ووظائفها الإدارية، حيث يوجد عادةً مجلس سياسي ومجلس إدارة إشرافي ومجلس تنفيذي، الخ. لا نعلم ما هو المجلس الذي يريده واضع النظام من مجلس التعليم الأعلى؛ مجلساً تنفيذياً أم مجلساً إشرافياً أم مجلساً سياسياً؟ المجلس الأعلى للتعليم سبق أن كان مطروحاً ويعود للطرح وفكرته تتلخص في توحيد الإشراف على السياسات التعليمية بالمملكة، ويبدو أن عضوية وزراء له جعل إناطة رئاسته برئيس مجلس الوزراء أمراً حتمياً إضافة إلى أن التعليم يمثل أمراً إستراتيجياً يتطلب أن يشرف عليه قادة البلاد. الأمر من وجهة نظري يتم تضخيمه إدارياً فنحن بحاجة إلى لجنة عليا للسياسة التعليمية بإشراف رئيس مجلس الوزراء أو (مجلس على المستوى السياسي) تقر التوجهات والإستراتيجيات الرئيسية التعليمية في البلاد وربطها بالأهداف الإستراتيجية والسياسية للبلاد وتحوي في عضويتها الجهات السياسية ذات العلاقة برسم السياسة العامة للبلاد بصفة عامة (الأمن الوطني، السياسة الخارجية، السياسة الداخلية، السياسة الدفاعية، وزراء التعليم، وغيرها) وليس بالضرورة حشر جميع الجهات أو الوزارات التنفيذية في هذا المجلس. ما أطلق عليه مجلس أعلى للتعليم يمثل حلقة بيروقراطية إضافية حين أسندت له مهام تعتبر فنية متخصصة كما أسندت له مهام تنفيذية عديدة بغرض تضخيمه وتحويله إلى مجلس وصاية أكثر منه مجلساً أعلى يرسم السياسات العامة والإستراتيجية. اسألوا وزراء العمل والخدمة المدنية والمالية وغيرهم ممن رشحوا أعضاء بالمجلس، هل يرون حاجة لوجودهم في مجلس يعنى بإقرار ميزانيات الجامعات، ولوائحها المالية والإدارية، وغير ذلك من التفاصيل الفنية كإقرار الكليات والجامعات الجديدة المعايير والضوابط، ما هو الدور الذي سيؤديه كل منهم في هذا المجلس؟

(يتبع)

أضف تعليق