أشعر بالفخر حين أشاهد ولي الأمر يكرم متفوقاً أو مبدعاً أو مخترعا، فتكريم المبدع يعني تكريم جميع أبناء وبنات الوطن، وقد دأب قادة هذه البلاد على تشجيع ودعم الباحثين والمبدعين والمخترعين والمتميزين في كافة المجالات، ولعل تكريم خادم الحرمين الشريفين لأبنائه المخترعين بالجامعات السعودية ومنحهم أعلى الأوسمة واستقبال سمو ولي العهد للطلاب المتفوقين لدليل يؤكد حرص قادة هذه البلاد على هذا الأمر. الإشكالية الرئيسية التي تواجه تكريم بعض المبدعين في مجال البحث العلمي على سبيل المثال، لا تأتي من القيادات العليا وإنما من زملاء المهنة والتخصص والمدريرين المباشرين الذين تسيطر عليهم الغيرة من نجاح الآخرين ويعتريهم القلق واهتزاز الثقة بالنفس لمجرد تميز زميل أو زميلة لهم.
لقد ذكرت البحث العلمي لأنني ألحظ هذه الظاهرة في الأوساط الأكاديمية، حيث يشكك الأكاديمي في نجاح زميله الأكاديمي ويبدأ في نسج الأقاويل التي لا تستند إلى موضوعية علمية دقيقة. هذه الظاهرة يمكن الاستدلال عليها من خلال الجمعيات العلمية التي يديرها الأكاديميون بحجة ارتباطها بالجامعات، والتي يفترض أن يكرم فيها المتميزون في التخصص. أقول يفترض لأنها جمعيات علمية قضيتها الرئيسية هي تطوير الجانب العلمي للمهنة عبر عقد اللقاءات العلمية ودعم وتشجيع الباحثين والمتخصصين والمبرزين في مجال تخصص الجمعية. تلك الجمعيات يفترض أن تبادر بالتعرف على المتميز في التخصص والدفع بتكريمه على أعلى مستوى، وفي أسوأ الحالات يفترض أن تفتخر بإنجاز منسوبيها وتقدر من تم تكريمه منهم عبر جهات علمية وقيادية أخرى. اسألوا المخترعين السعوديين، كم منهم تم تكريمه عن طريق الجمعية العلمية التي ينتمي إليها؟ وهل تمت المبادرة بتكريمه قبل أم بعد تكريم الجهات العليا له؟
على سبيل المثال: إحدى الجمعيات العلمية دفع رئيسها مبلغاً مالياً من أموال الجمعية التي يفترض أن تصرف على الأنشطة العلمية، لأحد المراسلين الصحفيين بحجة تعيينه مستشارا إعلامياً للجمعية (كمسمى بديل لكونه مستشاراً إعلامياً شخصياً لذلك الرئيس) وفي الجمعية العمومية نراه يقوم بتكريم جميع مندوبي الصحف المحلية بدروع فاخرة وشهادات متميزة، وينسيس أن يكرم إحدى منسوبات الجمعية التي فازت بجائزة عالمية في البحث العلمي استقبلتها بفرح الأوساط العلمية والبحثية في الخليج العربي، بل واستقبلها المجتمع الذي يحرص على تفوق الباحث والباحثة السعوديين بكل الترحاب والتقدير. كيف يتم تجاهل الأولويات والأهداف العلمية للجمعيات بما في ذلك إهمال تقدير وتكريم الأعضاء المتميزين والمبدعين، رغم أن ذلك من صلب أولويات الجمعيات العلمية؟