عزيزنا الدكتور صالح الأنصاري بعث إليّ بنسخة من توصيات لقاء الصحة المدرسية الذي عقدته مؤخراً إدارة الصحة المدرسية بشقيها البنين والبنات بوزارة التربية والتعليم، وهي توصيات عديدة تستحق التقدير كما يستحق الدكتور صالح الشكر بتواصله الدائم معنا وحثه لنا بالمشاركة بالرأي. سأقتطف احدى التوصيات لأعلق عليها وهي تنص على التالي:
“تضع كل من الإدارة العامة للخدمات الطبية والإدارة العامة للصحة المدرسية بالوزارة خطة تنفيذية لنقل الخدمة العلاجية التخصصية من الوحدات الصحية المدرسية إلى مرافق وزارة الصحة بالتنسيق مع الجهات المختصة بوزارة الصحة”.
هذه التوصية تنسجم مع ما طالبت به سابقا من ضرورة تخلي وزارة التربية عن المفهوم العلاجي في الصحة المدرسية، والتوجه نحو التثقيف الصحي بالمدارس، لكن يبدو ان الطريقة التي يتم بها هذا الأمر بطيئة ويعترضها أولاً وجود عدد لا بأس به من الأطباء بالوحدات الصحية المدرسية، وثانياً وجود الوحدات ذاتها بكل منطقة سواء للبنات أو البنين، وثالثاً عدم وضوح المهمة بالنسبة لوزارة الصحة، وسنفسر ذلك في السطور القادمة.
الحديث عن وجود الأطباء كعائق لمثل هذا التوجه، لا يعني القصور لدى أولئك الأطباء، وإنما لأن وجود الطبيب يعني وجود عيادة ووجود علاج، حيث التثقيف الصحي ليس التخصص الرئيسي للطبيب، فماذا يفعل أطباء الوحدات الصحية؟ هل يتحول الجميع إلى إداريين أو مثقفين صحيين على حساب مهنتهم الاصلية الطبية العلاجية؟.
الوحدات المدرسية لها مبان مستأجرة وميزانيات مرصودة، ولن يقدم المسؤولون على إلغائها بسهولة لأن هناك من يقاوم ذلك لأسباب إدارية وتنظيمية واجتماعية، حيث معروف ان التغيير الجذري يصعب تقبله في كثير من إداراتنا الحكومية التي يسهل عليها الاستحداث لكن يصعب عليها الإلغاء لأي إدارة كانت، وكأن الإدارات حين تنشأ تتخذ صفة الضمان الاجتماعي الذي يجب ألا يمس لأن فيه رزق المحتاجين…
بالنسبة لوزارة الصحة، فطبيعي هي تعالج جميع المواطنين بما فيهم الطلاب والطالبات، لكن لا اعتقد ان لديها أو لدى الوحدات الصحية التابعة لوزارة التربية والتعليم خطة صحية واضحة تجاه الطلاب والطالبات.. هل سيتولى مستوصف الحي فتح ملفات لجميع طلاب المدارس المحيطة به؟. هل سيقوم بزيارات منتظمة لتلك المدارس؟ هل سيكون هناك اعتبار خاص لطلاب المدارس في الفحوصات الدورية وغيرها؟ هل ستوجد إدارة تثقيف صحي خاصة بالمدارس؟ الخطوة الأولى التي تسبق مطالبتنا للصحة بعمل شيء في هذا المجال هي نقل بنود أو بعض بنود ميزانية الصحة المدرسية من وزارة التربية والتعليم إلى وزارة الصحة.
وأنا أطالب بتحويل الصحة المدرسية من علاجية طبية إلى تثقيفية صحية، وبالتالي إلغاء الوحدات الصحية المدرسية وتقليص عدد الأطباء بها إلى الحد الأدنى الممكن، وجعل الثقافة الصحية جزءا من المنهج الدراسي، ضمن المواد التعليمية المختلفة، أرى بأن ذلك ممكن عبر أحد أو كلا الحلين التاليين:
أولاً: التنسيق مع إحدى الكليات الصحية أو الطبية التطبيقية لتصميم برنامج تثقيف صحي يتناسب مع احتياجات المدارس ليؤهل متخصصين في مجال التثقيف الصحي المدرسي سواء عبر دبلوم يقدم لبعض خريجي كليات العلوم والتمريض أو كتخصص مستقل.
الثاني: وهو المفضل لديّ، هو تحول مدرسي التربية الرياضية إلى متخصصين في التربية الرياضية والصحية، عبر تطوير برامج كليات التربية الرياضية أو عبر تقديم برامج دبلومات متخصصة “لمدة عام أو عامين” لخريجي تلك الكليات، ليصبح مدرس التربية الرياضية مسؤولا عن التثقيف الصحي داخل مدرسته. طبعا تخصص التربية الرياضية كما نعلم هو أقرب التخصصات التربوية للمجال الصحي حيث يدرس خريجيه مواد تتعلق بالتشريح ووظائف الأعضاء وبعض الأمراض.. وبسهولة يمكن الاستفادة من ذلك كمقدمة لعلوم التثقيف الصحي التي يمكن تبنيها.