يقام هذه الأيام المهرجان الأول لرعاية المعوقين برعاية خادم الحرمين الشريفين وبحضور ولي العهد رئيس المجلس الأعلى لرعاية المعاقين، وتعد تلك الرعاية والحضور مؤشراً على الاهتمام الذي يحظى به أصحاب الإعاقات والرغبة في رفع الاهتمام بقضاياهم إلى مستويات أعلى وأشمل.
بعد الترحيب بهذه الخطوة أكتب عن تصنيف جمعيات رعاية أصحاب الإعاقات وربطها بمرجعية الخدمة الاجتماعية بشقها المعني بالعمل الخيري وبشكل مختصر عن بعض الجوانب الأخرى المتعلقة بموضوع الإعاقة ومهرجان المعوقين الأول.
من الأمور التي تحتاج نقاشا في مفهوم خدمة قضايا أصحاب الإعاقات الربط الدائم بين قضية خدمة أصحاب الإعاقات وتأهيلهم وبين المجال الخيري، حتى غدا صاحب الإعاقة في نظر الكثيرين وكأنه رديف للفقير والمسكين والمحتاج للصدقة. بكل أسف يحدث هذا على المستوى الرسمي حيث تصنف جمعيات رعاية المعوقين كجمعيات خيرية تماماً مثلها مثل جمعيات البر والجمعيات الخيرية المعنية بمساعدة الفقراء. ليس هناك اعتراض على كون بعض أصحاب الإعاقات مثلهم مثل غيرهم محتاجين للمساعدة والصدقة المادية ولكن الحقيقة هي أن خدمة أصحاب الإعاقات عمل مهني متخصص لا أعلم سببا واضحا للإصرار على ربطها بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية بشقها الاجتماعي الذي يطغى عليه تقديم المساعدات عبر صندوق الفقر والضمان الاجتماعي. لماذا لا يكون هناك جهة أخرى ترعى جمعيات أصحاب الإعاقات؟ إذا كانت وزارة الصحة غير قادرة على القيام بمسؤولياتها في مجال التأهيل الصحي والمؤسسة العامة للتعليم الفني غير قادرة على الوفاء بمتطلبات التعليم المهني والفني لأصحاب الإعاقات.. فهل الحل هو تحويل وابقاء رعاية أصحاب الإعاقات في ذمة الوزارة (الكشكول) وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أم إيجاد هيئة مستقلة ترعاها..؟ لقد أدى ربط تلك الجمعيات بوزارة الشؤون الاجتماعية إلى تقاعس الجهات الأخرى كالجهات الصحية في القيام بمسؤولياتها في جانب تأهيل الإعاقات وأصبح الغني والفقير، المحتاج وغير المتحاج يقف على باب الجمعيات المصنفة خيرياً، بل إن بعض الموسرين أصبح يخجل من ذهاب ابنه إلى جمعية رعاية المعاقين حتى لا يقال عنه بأنه فقير ويلجأ لجمعيات تعتمد على الصدقة وفعل الخير..
لقد كتبت عن هذا الموضوع قبل عدة سنوات ولا بأس إن أعدت الطرح حول هذا الموضوع بشكل آخر، فعسى أن يأتي من يقرأ ذلك في ظل الزخم الذي سيوفره المهرجان المشار إليه عن قضايا أصحاب الإعاقات. إن ربط أو تصنيف الجمعيات المعنية برعاية أصحاب الإعاقات بالجمعيات الخيرية من الناحية النظامية تجاوز ضرره الجانب المعنوي والاجتماعي في هذا الجانب إلى الجانب الخدماتي فمن ضمن التنظيمات الحديثة الصادرة بحق الجمعيات الخيرية لم يعد بإمكانها التعامل المباشر مع الجهات الخارجية فأصبحت جمعيات مثل تلك التي تتبنى التأهيل الطبي غير قادرة على استيراد احتياجاتها من الأجهزة والأدوات الخاصة بعملها في خدمة وتأهيل الإعاقات مباشرة من الخارج وأصبحت مضطرة للقيام بذلك عن طريق وسطاء يتسببون في زيادة التكاليف المادية الملقاة على عاتق تلك الجمعيات التي تعاني في الأساس من شح الموارد بحكم تصنيفها الجائر كجمعيات خيرية ليس لها سوى الفتات من صدقات المحسنين.
الإشكالية تتجاوز ذلك إلى عدم حماية ومساندة الشؤون الاجتماعية للجمعيات المعنية بخدمة أصحاب الإعاقات، حين تضعها في بوتقة واحدة مع جمعيات ذات توجهات خيرية بحتة تتركز في جلب ودفع المال كتبرعات وصدقات، حيث نجد أن هناك قطاعات وجهات محلية أخرى تتصرف وكأنه لا وجود لتلك الجمعيات التي تمتلك الإمكانات المتميزة ويمكنها امتلاك المزيد لو عني بها الآخرون بالشكل الكافي. فعلى سبيل المثال: نجد أحدهم يودع ابنه في مركز تأهيل بدولة مجاورة بمقابل مادي ووزارة التعليم العالي تتفضل مشكورة بتوفير تذكرة سنوية للأب لزيارة ابنه بذلك البلد، رغم أن الخدمة المقدمة له متوفرة بجمعيات أصحاب الإعاقات المحلية وبتكاليف أقل بكثير من تلك التي تدفع للخارج وقد لا تزيد عن ثمن التذكرة السنوية التي تدفع للأب، هذا إذا كان هناك تكاليف مادية. مثال ثان نراه في أرامكو التي تتعاقد مع مراكز أطراف صناعية بالدول الأوروبية وتصرف ملايين الريالات لتلك المراكز لأجل معاينة الحالات التي ترعاها وتحتاج أطرافا صناعية بينما يوجد على بعد خطوات منها أحد أفضل مراكز الاطراف الصناعية بالشرق الاوسط ، مركز الامير محمد بن فهد للاطراف الصناعية بالدمام وهو المراكز الذي يقوم بتصنيع وتركيب أطراف صناعية وجبائر تفوق ما تستقدمه أرامكو وغيرها من الجهات جودة وعناية (أتحمل مسؤولية هذه الشهادة نحو مركز الأمير محمد بن فهد للأطراف الصناعية بالمنطقة الشرقية بصفتي المهنية المتخصصة وليس فقط بصفتي الكتابية). فكيف تضيق وزارة العمل على مثل جمعية المعاقين المشرفة على مركز الأطراف الصناعية بتصنيفها خيرية ومنعها من استيراد ما تحتاجه من أدوات مباشرة من الخارج والآخرين يصرفون مبالغ خيالية في الخارج على خدمات تقدمها الجمعيات المحلية التي هي بحاجة إلى كل دعم تكسبه عن طريق جهودها وخدماتها التي تقدمها؟ كيف يحتكر مركز تأهيلي واحد تحويلات وزارة الصحة ذات العلاقة بالتأهيل والتي تحاول جعلها محلية بدلاً من توجيهها للخارج وهناك مراكز مماثلة يمكنها الاستفادة والإفادة من موضوع تحويلات المرضى، ويمكنها التوسع للوفاء باحتياجات الجهات الصحية المعنية؟
إذاً عندما نرفع ملاحظتنا حول تصنيف جمعيات رعاية أصحاب الإعاقات كجمعيات خيرية بحتة مثله مثل جمعيات البر تحت رعاية وزارة العمل والشؤون الاجتماعية فإن ذلك يأتي من كونه يضر أحياناً ولا ينفع تلك الجمعيات كجمعيات منتجة تقدم خدمات مهنية متخصصة كفلها النظام ضمن أساسياته التي تكفل الصحة والتعليم لجميع المواطنين.. لا بأس أن تستعين الجهات المعنية بخدمة أصحاب الإعاقات بالمتطوعين مثلها مثل جمعية الهلال الأحمر وغيرها من القطاعات الصحية والتعليمية فالعمل التطوعي أمر مطلوب تحفيزه وهو ليس مرادفا للعمل الخيري المتمثل في الصدقات والزكوات كما اعتاد الناس في بلادنا..
إذا كانت جمعيات رعاية وتأهيل أصحاب الإعاقات مضطرة ومحتاجة إلى الدعم الخيري فليكن ذلك عن طريق صندوق مستقل يدعم تلك الجمعيات مع الحفاظ على كينونتها المتخصصة كصندوق التعليم العالي الذي يدعم الجامعات ولم يقل عنها أحد بأنها جامعات خيرية، وإذا كان هناك حاجة ماسة لدعم أصحاب الإعاقات واحتياجاتهم أكثر من غيرهم من الفئات فلتنشأ لهم جمعية أصدقاء أصحاب الإعاقات أسوة بجمعيات أصدقاء المرضى التي لم يتسبب وجودها في تصنيف المستشفيات بالخيرية ولم يتسبب في الغاء مهنيتها وتخصصها في تقديم الخدمة الصحية..
أخيراً بعد الترحيب بكل الالتفاتات الرسمية تجاه هذه الفئة من أبناء وبنات الوطن، بما في ذلك هذه الالتفاتة بتنظيم هذا المهرجان الضخم حول خدمات أصحاب الإعاقات، يأتي السؤال: ألم يحن الأوان للسماح بتشكيل جمعيات أو هيئات تطوعية أهلية مستقلة تسهم في تبني قضايا أصحاب الإعاقات ويشارك فيها أصحاب الإعاقات أنفسهم…
سلطان بن سلمان الفارس الذي خدم قضايا الإعاقة
لا شك بأن استعراض خدمات أصحاب الإعاقات بالمملكة بالذات الأطفال منهم لا يأتي دون ذكر اسم صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان رئيس مجلسي إدارة مركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة وجمعية الأطفال المعوقين، الذي قدم ويقدم الكثير من الجهد والرعاية في هذا المجال بما في ذلك اسهاماته الواضحة في تطوير مركز رعاية الأطفال المعوقين بالرياض وإنشاء فروع أخرى للجمعية بمناطق أخرى بالمملكة وكذلك في سعيه الدؤوب لدى الجهات العليا بشكل أسهم في إصدار نظام المعوقين وقيام المجلس الأعلى لرعاية المعوقين.
اليوم وقد تبوأ سموه مركزاً آخر لا نشك بأنه يحتاج الكثير من الجهد والوقت لتأسيسه وتنميته ألا وهو مركز الأمين العام للهيئة الوطنية للسياحة، فإننا أصبحنا نخشى عليه من ثقل العبء وندرك انه لن يزعجه أن نطالب الآخرين بتحمل ومواصلة المسيرة من بعده في مجال رعاية جمعية الأطفال المعوقين ومركز أبحاث الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة. فرعاية السياحة مسؤولية وطنية ومهمة كلف بها سلطان لأنه أهل لها ولا بد من عونه للتفرغ لتلك المهمة الوطنية الحساسة، وتكريمه نحو ما بذله من جهود على مدى سنوات عديدة في مجال رعاية أصحاب الإعاقات ببلدنا الزاخر بالكفاءات والقدرات المبدعة.
ملاحظة على المهرجان
قد يسأل البعض لم لم يقدم مضمون هذا المقال كورقة نقاش ضمن أجندة المهرجان، والواقع أن السبب في ذلك يرجع إلى عدم وضوح برنامج وأهداف ومسمى المهرجان مبكراً. حيث المسمى لم يعكس لنا مبكراً بأن هناك لقاء علميا واضح المحاور يستحق عناء تحضير ورقة علمية تليق بلقاء وطني يعول على توصياته الشيء الكثير. مع تقديري للقائمين على المهرجان فقد جاءت محاوره التي أعلنت بشكل متأخر بالنسبة للمعنيين، متشعبة توحي بأن هناك من يريد أو يتصور بأنه بالإمكان عرض جميع القضايا التي تهم الإعاقة وأصحابها بشكل موضوعي وإيجابي في لقاء واحد تحت مسمى يبدو أنه اختير بعناية لتبدو الجهة المنظمة وكأنه لم يسبقها أحد في إقامة مثل هذه اللقاءات. كان الأولى أن يتم التركيز على محور أو محاور قليلة وأن يستفاد من خبرات المؤتمرات والندوات السابقة في هذا المجال، بالذات المؤتمر العالمي للإعاقة الذي نظم قبل عقد من الزمان تقريباً بمدينة الرياض.