تعقيدات القطاع الصحي

التنظيم الصحي يتجاوز مجرد كونه تنظيم قطاع عمل عادي، بل هو أعقد من ذلك بكثير، حتى إن بيتر روكر أحد الباحثين الكنديين في مجال الإدارة الصحية وصفه عام 1993م بأنه أعقد تنظيم إنساني ضمن بقية القطاعات يمكن إدارته. هذا الأمر قاد إلى أن غالبية دول العالم لم تصل مستوى القناعة الكاملة بشكل وأداء نظمها الصحية، وقاد إلى صعوبة الاهتداء إلى طريقة واحدة مثلى يمكن القول بصحتها أو فشلها في تنظيم القطاع الصحي، على المستوى الوطني وعلى مستوى القطاع الصحي أو المؤسسة الصحية. لماذا القطاع الصحي يوصف بأصعب القطاعات تنظيماً وإدارةً؟

@ أهداف القطاع الصحي متعددة ومتشعبة، فهو ليس مجرد موفر للخدمة الصحية، إنه مسؤول عن مشاكله المتولدة باستمرار ومساهم بشكل كبير في توظيف وتدريب القوى العاملة ومساهم في الرخاء والأمن الاجتماعي، إلخ.

@ يضم القطاع الصحي فئات عدة يحكمها التنافس والتعارض في المصالح أحياناً، فهناك فئة الأطباء وفئة التمريض وفئة الفنيين وفئة الإداريين وفئة الملاك وفئة الممولين وغير ذلك، بل إن هناك منافسات داخلية ضمن كل فئة، وهنا تكمن الصعوبة في التوفيق بين احتياجات الجميع وعدم الانحياز لعنصر دون الآخر وفي التواصل بين مختلف الفئات بشكل إيجابي…

@ يعاني القطاع الصحي من ضعف أو تعارض أو عدم توفر المعلومات المساندة لاتخاذ القرار. أحياناً طبيعة القرار الصحي لا تمنح الوقت الكافي لدراسة جميع المعطيات والمعلومات. المعلومات الصحية ( معلومات المرضى، والسكان والموارد وغيرها) في بعض أوجهها معلومات غير موضوعية وتقاس بطرق كمية غير دقيقة..

@ يتأثر القطاع الصحي بموارد وفلسفات التمويل والتحكم المالية وغير المالية، فهناك مدارس تتبنى الخصخصة وأخرى تتبنى الإدارة الحكومية، هناك من يرى أهمية الربح كأي نشاط اقتصادي وهناك من يرى الخدمة اجتماعية والأرباح تأتي ثانية… الخ.

لست أمنح هنا عذراً أو تبريراً للقصور الإداري في القطاع الصحي، لكنني ألحظ بأن بعض القيادات في القطاعات الصحية تتعامل مع تنظيم وإدارة هذا القطاع بطريقة غير عميقة في مفاهيمها وغير ملمة بأبعاد تعقيدات القطاع الصحي والنتيجة هي بروز الاجتهادات ذات البعد الأحادي ، إن جازت التسمية، في اتخاذ القرار وفي التعامل مع الآخرين، فهناك من يدعي بأن النموذج (س) هو الأفضل لإدارة القطاع الصحي دون فهم لأبعاده وتفاصيله ودون إلمام بالنماذج الأخرى وهناك من لا يفرق بين إدارة شركة مقاولات ومركز صحي ، مبادرات بناء متكررة دون تقدير لحجم العمل وجودته و استمراريته، وهناك من لا يرى في المؤسسة الصحية سوى تخصصه أو التخصصات ذات العلاقة به ولا يرى سوى الفئة التي ينتمي إليها يدعمها ويمنحها كل الامتيازات على حساب الفئات الأخرى، بل و يتجنب محاسبتها إمعاناً في التحيز لها…

أضف تعليق