تعدد الملاحق أضاع الأصل: الصحة مثالاً

تعودنا نشوء أنظمة جديدة، وأجهزة إدارية جديدة، وتعودنا استحداث لوائح حديثة بكل قطاع، وهذا أمر طبيعي تفرضه سنة التطور التنموي والإداري الاجتماعي. لو أخذنا المجال الصحي مثالاً لوجدنا أنه بجانب وزارة الصحة أستحدث مستشفى الملك فيصل التخصصي كمستشفى مستقل، وتعزز استقلال الخدمات الصحية بالقطاعات العسكرية عن الصحة، و توسعت الخدمات الصحية بوزارة التعليم والتربية (المعارف وتعليم البنات سابقاً) وتوسع القطاع الصحي الخاص، وقامت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، واستحدثت هيئة الغذاء والدواء، وأنشئ مجلس الضمان الصحي، وتغيرت لوائح واساليب عديدة في أداء وتشغيل المستشفيات… إلخ من التغييرات العديدة .

الإشكالية الرئيسية ليست في إنشاء أو تطوير تلك الهيئات والتنظيمات، لكن في مدى تطور وتغير البناء الاساسي للنظام الصحي والتنظيم الهيكلي الإداري للقطاع الصحي، الذي أصبح كالبناء العتيق الذي استحدثت حوله وفوقه العديد من الملاحق والإضافات حتى غدت الصورة مربكة ومشوشة، فلم تعد تعرف المبنى الأساسي من الملحق ولم تعد تعرف أيهم يمثل الواجهة الرئيسية وأيهم يمثل الواجهة الجانبية أو الخلفية، لم تعد تعرف أيهم القلب النابض للجسد الصحي، وهل أصبح للجسد الصحي أكثر من قلب ينبض… لقد تعملقت بعض الملاحق وعلت حتى ماثلت واستطالت على البناء الرئيسي (القطاعات الصحية العسكرية ووزارة الصحة، مثالاً)، مما يتطلب إعاة النظر في هيكلة الملاحق والإضافات وربطها بجسر متين بالمبنى الرئيسي، وفي نفس الوقت إعادة الاعتبار للمبنى الرئيسي ليحتل الواجهة الصحية في بلادنا، والقلب النابض والمتحدث باسمها..

إعادة الترتيب هذه ستتطلب تعديلات تطال حتى المبنى الرئيسي الذي يحتاج إعادة هيكلة وقد تتطلب تعديلات في النظم الصحية الاساسية تتوافق مع مانطمح إليه من تطور وتنظيم، لا إلى مجرد إقرار الامر الواقع على الارض بتشوهاته وفوضويته وارتباكه. لن أطلب من وزارة الصحة القيام بمثل هذا الدور، فالمبنى العتيق توارت مهامه الأساسية وتداخلت وتشوهت مع نشوء الملاحق والإضافات الأخرى التي أشرنا إليها في بداية المقال، وكيف للقلب العليل أن يضخ الدماء نحو أطراف الجسد العلوية دون دعم توفره مضخات إضافية تمنح له عبر قرارات حاسمة وواضحة؟

لقد أقر قبل فترة ماعرف بالنظام الصحي، لكننا مع الأيام نكتشف أنه مجرد تنظيم ورقي لم يغير شيئاً على أرض الواقع، لأنه ركز على الحشو والتفاصيل دون المساس بجوهر الهيكل، فبدا وكأنه، في استعاراتنا المعمارية هنا، مجرد محاولة لصبغ البناء بنفس اللون القديم وتأثيث بعض غرفه الداخلية الصغيرة، وهذا ليس مطلبنا في المرحلة الراهنة، وإنما المطلب هو إجراء هيكلة كاملة للقطاع الصحي ومايتعلق به، هيكلة تحمل الجرأة بإخضاع الجميع تحت مظلة موحدة تملك صنع القرار وتملك تحمل مسؤولية القرار وتملك القدرة على القول “لا” للفوضى، و”نعم” للتنسيق وتوحيد وتكامل الجهود. هذه الهيكلة طال انتظارها، وحتماً لابد أن تمر عبر أجندة اللجنة الإدارية لهيكلة أجهزة الدولة المختلفة. اللجنة التي أوصت بإلغاء وزارات واستحداث وزارات، فلماذا لا يتم دراسة القطاع الصحي وإعادة هيكلته إدارياً بشكل محايد؟

أضف تعليق