ارتبط الحديث عن الأرباح الضخمة والسريعة بأسواق العقار حين نسمع بأن صفقة أرض حققت أرباحاً كبيرة خلال فترة وجيزة، لكن يبدو أن قطاع الخدمات الصحية الخاصة أصبح ينافس إن لم يتفوق على الصفقات العقارية في الآونة الأخيرة، حيث أصبح نادراً أن نتحدث عن ارتفاع صفقة عقارية بنسبة مائة في المائة، بينما بعض خدمات القطاع الصحي الخاص يتم تحقيق أرباح مضاعفة فيها خلال فترة وجيزة. الفرق بين أرباح السوق العقاريةوأرباح الخدمات الصحية يكمن في كون السوق العقارية اختيارية يدخل في مغامراتها ومتاهاتها من يملك القدرة والرغبة في المغامرة، بينما ارتفاع أرباح الخدمات الصحية يقوم على حاجات الناس وضروراتهم المعيشية، التي يستغلها البعض إن لم يكن الغالبية من أرباب القطاع الصحي الخاص، في ظل ضعف أوغياب واضح لآليات الرقابة والتشريع في هذا المجال، وفي ظل ضعف الدراسات التي تعري هذه الظاهرة وتوثقها بشكل كاف لصانع القرار وللمواطن معاً.
بين يدي مشروع بحث متميز تم إجراؤه ببرنامج إدارة الخدمات الصحية بكلية العلوم الطبية التطبيقية بجامعة الملك سعود .. هذا البحث استقصى تكاليف وأرباح خدمات التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات الخاصة، وتحديداً طبق البحث على أربع مستشفيات تعمل بالقطاع الخاص، حيث تقصى كافة التكليفات المتعلقة بالتكاليف التشغيلية والصيانة وأفلام التصوير .. إلخ، مقابل دراسة الدخل والأرباح الصافية التي تم الحصول عليها بناء على إحصائيات وفرتها تلك المستشفيات لعدد مرضاها المستفيدين من خدمات التصوير بالرنين المغناطيسي وتكاليف الفحوصات، وبناء على معادلات وطرق حسابية علمية معروفة في هذا المجال … إلخ
نتائج البحث ابانت بأن أقل المستشفيات ربحاً من عمليات التصوير بالرنين المغناطيسي، بعد خصم جميع التكاليف الفعلية والمقدرة من الدخل بلغت أرباحه 841ألف ريال، بينما بلغت أرباح مستشفى آخر ثلاثة ملايين وتسعمائة وعشرين ريالاً خلال عام واحد فقط ..هذه أرباح أقل ما توصف بأنها أرباح فاحشة، إذا ما علمنا بأن أجهزة الرنين المغناطيسي تقدر كلفتها ما بين مليونين وخمسة ملايين ريال فقط .. هذا يعني أن القطاع الصحي الخاص يستطيع استعادة تكاليف الشراء والإنشاء خلال أقل من عامين فقط وهي فترة قصيرة جداً في عالم دورة الأعمال وبالذات من هذا الحجم الاستثماري الذي يفترض أن تكون أرباحه طويلة المدى .. الغريب ان اسعار تلك الخدمة محل الدراسة متفاوتة بشكل كبير حيث تقدر بـ 220ريالاً في أحد المستشفيات محل الدراسة و 559ريالاً في مستشفى آخر، ولا علاقة لتلك الاسعار بجودة ونوعية الجهاز وسعر شرائه، حيث إن أحد المستشفيات الذي يملك جهازاً تقدر كلفته بمليوني ريال فقط يضع اعلى تسعيرة “559” بينما مستشفـى آخر كلفه الجهاز لديه خمسة ملايين يضع تسعيرة بـ 220ريالاً فقط، مما يعني أن الأمر عشوائي لا تحكمه معايير موضوعية بل معايير الجشع ..
لا أريد أن يتوه القارئ في لغة الأرقام والبحث، لكن الملخص أعلاه يؤكد بلا أدنى شك وجود فوضى كبيرة في تسعيرة الخدمات الصحية بالقطاع الصحي الخاص، ويؤكد غياب المعايير المهنية التي تحكم الاسعار، ويؤكد الأرباح الفاحشة التي يحصل عليها البعض متاجراً بحاجة المريض الذي لا حول له ولا قوة ولا معرفة بالتفاصيل الصحية أعلاه، ويؤكد غياب المرجعية الرقابية ..
ترى من ينقذ المريض من جشع التجار الملتحفين بأثواب الإنسانية والمهنية ؟