تجارب في تطوير المجتمع الأكاديمي

عند الحديث عن معاناة أعضاء هيئة التدريس والمطالبة بتطوير أدائهم والأجواء المحيطة بعملهم، لا يكفي فقط وضع بعض القوانين أو اللوائح من قبل الجهات الإشرافية، بل يتطلب ذلك تطويراً تتبناه وتدعمه الجامعات والمؤسسات الأكاديمية المختلفة. في مقال اليوم أنطلق إلى طرح تجارب متقدمة في شأن تطوير أعضاء هيئة التدريس وبيئتهم الأكاديمية بأبعادها الاجتماعية والمهنية والادارية، وهي تجارب أرى كثيراً منها يستحق الدراسة وربما التطبيق في بيئتنا الأكاديمية المحلية، بما يسهم في خلق مجتمع أكاديمي، يسهم/ يسمح لعضو هيئة التدريس بالإسهام في تطوير بيئته المهنية والعملية والاجتماعية والادارية..

تجربة هدسون

التجربة التي أطرحها تتمثل في تجربة كلية هدسون التي طرحها عميد الكلية(1) ـ (هدسون كلية في المسمى ولكنها تعادل الجامعة في مستوى التنظيم والمهام) ـ . حيث قرر مجلس الأمناء بهدسون تجديد نظام الكلية بما في ذلك مراجعة أهدافها ومهامها، فبرزت ضرورة أن يكون من ضمن الأهداف تطوير أعضاء هيئة التدريس، فكانت الخطوة الأولى تشكيل مجلس إشرافي مكون من خمسة عشر عضواً من أعضاء هيئة التدريس ومن قسم تنمية الموارد البشرية بالكلية، يتولى وضع الخطة التطويرية لأعضاء هيئة التدريس والتي تم تحديدها لاحقاً في أربع خطوات رئيسية:

أولاً: بناء المجتمع الأكاديمي

الهدف من هذه الخطوة تمثَّل في إيجاد برامج وتنظيمات ونشاطات تدعم إيجاد وتطوير ما يعرف بالمجتمع الأكاديمي، أو إيجاد شخصية معنوية لمجتمع أعضاء هيئة التدريس، وبالتالي إشعار عضو هيئة التدريس بأنه يعمل ضمن مجتمع متآلف، على مستوى الكلية ومجتمع التعليم العالي بصفة عامة، ففي هذه المجالات عامة ثقافية واجتماعية وتعليمية فيما له علاقة بأعضاء هيئة التربية والتعليم العالي بصفة عامة، كما تم اصدار نشرة شهرية تعنى بإبراز نشاطات هيئة التدريس ووجهات نظر الأعضاء، كما تم إيجاد أسابيع وأياماً تهتم بأعضاء هيئة التدريس وهمومهم وبالتعارف فيما بينهم يتم تنظيمها بداية كل عام.

ثانياً: التطوير المهني

في هذا الجانب تم تجاوز الجانب الاجتماعي إلى تطوير لأعضاء هيئة التدريس، في مجال مهامهم التدريسية والبحثية فأقرت ورش عمل خاصة لتطوير الجوانب المهنية، شارك فيها كفاءات محلية وتم إيجاد برامج منح سنوية لبعث وحث أعضاء هيئة التدريس للمشاركة بالمؤتمرات وورش العمل التي تعقد خارج الكلية وذات علاقة بالتطوير كالمشاركة في لقاءات منظمات التعليم العالي العربي والعالمي.

ثالثاً: التطوير الفردي

لم تغفل خطة التطوير تلك بأن هناك متطلبات فردية تتجاوز التطوير المهني وبالتالي تم إيجاد برامج مناسبة في هذا المجال وهناك متطلبات صحية لعضو هيئة التدريس وأفراد أسرته، عن طريق الاشتراك في برامج تأمين صحية جماعية تقوم بالتسهيلات اللازمة لأعضاء هيئة التدريس، وإيجاد برامج ترفيهية ورياضية لعضو هيئة التدريس وأسرته وفق تخفيضات وتسهيلات محددة.. الخ.

رابعاً: التقدير والاعتراف بالإنجاز

ولأن هناك حاجة إلى الاعتراف بالانجازات والابداعات المتميزة ومكافأة أصحابها وتمييزهم، فقد تم ضمن تلك الخطة التطويرية إيجاد برامج جوائز تعنى بتشجيع تميز أعضاء هيئة التدريس، فعلى سبيل المثال وجدت جائزة أفضل عضو هيئة تدريس بناء على استفتاء يشارك به الطلاب، وجائزة المديرلأفضل عضو هيئة تدريس، جائزة أفضل منحة علمية بحيث يحصل عليها عضو هيئة تدريس وجائزة الاختراع لأعضاء هيئة التدريس.. الخ.

بعد خمس سنوات من تطبيق الخطة التطويرية تلك ( 93ـ 98م) تم تقييم التجربة فوجدت لها ايجابيات كثيرة أبرزها زيادة معايير الرضا من قبل أعضاء هيئة التدريس ومن قبل ادارة الجامعة ومن قبل طلاب الدراسات العليا، حول الاحساس بالانتماء إلى مجتمع أكاديمي متميز، وتحول مشروع التطوير ذاك من تجربة إلى مبدأ رئيسي في أداء الكلية، وتحول من مجرد اجتهاد فردي إلى عمل جماعي منظم تفتخر به قيادة تلك الكلية ومجلسها الأعلى..

برنامج التزامل

التجربة الثانية التي يتم تطبيقها في العديد أو الغالبية من الجامعات الأمريكية والمستمدة من تجارب الشركات الكبرى تتمثل في وجود ما يعرف ببرنامج (مينتور) وهو برنامج يختلف عن الإشراف أو الإدارة المباشرة، يترجمه البعض ببرنامج الناصح أو التناصح، ولكني أُطلق عليه مصطلحاً أكثر ودية، ألا وهو مصطلح التزامل، وفكرته الرئيسية هي تزامل عضو هيئة التدريس الجديد مع عضو هيئة تدريس صاحب خبرة في المؤسسة الأكاديمية، حيث يصبح العضو صاحب الخبرة هو الزميل الأكبر ويصبح العضو المستجد هو الزميل الأصغر (ليس بالضرورة الأصغر في العمر ولكن في المهام) ليوفر الزميل الكبير لزميله الصغير الدعم المعنوي والمهني اللازم، ليكتسب الخبرة وليتعرف على النظم والتأقلم على الأدوار والمهام الجديدة المطلوبة منه، وهذا يحقق مساعدة العضو الجديد على اكتساب الخبرات من أصحابها الحقيقيين، ويساهم في الحفاظ على شخصية المؤسسة ومفاهيم العمل بها ونقلها من القدماء إلى الجدد وفق طريقة سلِسة ومرنة، وفي نفس الوقت تعميق التعاون وتبادل الخبرات والمودة بين الأجيال العاملة بالمؤسسة، وأهم عنصر فيها هو اختيار أعضاء أصحاب خبرات وقدرات شخصية على مساعدة الآخرين والأخذ بطريقهم نحو النجاح ليكونوا الزملاء الأكبر للأعضاء الجدد من أعضاء هيئة التدريس. هذا الموضوع ليس ينطبق فقط على الموظف الجديد، بل إنه حتى رؤساء ومدراء المؤسسات الكبرى يستفيدون من هذا المفهوم ويتحولون إلى زملاء أصغر لموظفين آخرين في مجال معين، ويبرز المثال هنا في المجال التقني، حيث فوجئ بعض المدراء بوجود تقنيات تتطلب تبنيها من قبل مؤسساتها مثل تقنيات الإنترنت، وليس بمقدورهم معاداتها وفي نفس الوقت لابد من فهمها للتمكن من إصدار القرارات المناسبة حيالها، ففي هذه الحال نجد أن مدير مؤسسة كبرى يستعين بأحد موظفي قطاع الانترنت بمؤسسته ليكون الزميل الأكبر له في هذا المجال يشرح له الخلفيات التقنية وطرق الاستخدام وغيرها من الأمور ذات العلاقة بالاستخدام واتخاذ القرار، بدلاً من اللجوء إلى الالتحاق بمدرسة أو معهد من جديد يضيع وقته ووقت المؤسسة في تعلم أساسيات لن توفر له المفاهيم العامة ولن تجيب تساؤلاته التي يبحث عنها وذات علاقة بعمله الاداري..

جمعيات أعضاء هيئة التدريس

الاتجاه الثالث الذي أدعو إلى تبنيه، وقد يحتل الأولوية التي تسهم في ما بعد، في تطوير بقية الأفكار الواردة أعلاه، يتمثل في إيجاد جمعيات أعضاء هيئة تدريس بكل جامعة، وربما أخرى وطنية عامة، جمعيات علمية ومهنية، تتبنى قضايا التطوير المهني والعلمي ذي العلاقة بأعضاء هيئة التدريس والعمل الأكاديمي بصفة عامة، وتتجاوز أدوار الجمعيات التعاونية القائمة ببعض الجامعات والمحصورة مهامها في الجوانب الاجتماعية والخيرية والاستثمارية.. فحالياً لا يوجد لدينا جمعية في التعليم العالي، ولا يوجد لدينا جمعيات أعضاء هيئة تدريس، فمن هي الجهة التطوعية المهنية غير الرسمية أو التنفيذية، التي تناقش قضايا التعليم العالي وقضايا وهموم أعضاء هيئة التدريس؟!

إذا أراد اعضاء هيئة التدريس بجامعاتنا تجاوز الهموم الشخصية والاحباطات الوقتية، فعليهم التفكير في حلول استراتيجية والعمل وفق أساليب معتمدة على التنظيم، والعمل المؤسّس على خطوات قابلة للنمو، بدلاً من مجرد الانسحاب والتذمر والشكوى وإلقاء اللوم كله على الجهة الإشرافية أو على اللوائح الموحدة.

من يعاتب الآخر

أشير هنا إلى عتب تكرر من قبل بعض الزملاء أعضاء هيئة التدريس بإغفالي طرح معاناة أعضاء هيئة التدريس بجامعاتنا، رغم كثرة كتاباتي المتعلقة بالتعليم العالي، وأرحب دائماً بالملاحظات التي تردني، وأطمح دائماً لتقديم الأفضل، بما في ذلك التعبير عن هموم القارئ أيا كان.. الأفضل الذي يتجاوز مجرد الشكوى واللوم، إلى تقديم رؤى وأفكار بديلة/ تصحيحية لما ننقده، ولكن ليسمح لي الزملاء والقراء بتجاوز الاعتذار والإشارة إلى بعض الصعوبات التي تعيق من طرح بعض آرائهم القيمة بشكل واضح، كما يودون، الزملاء الذين يطالبون طرح موضوع معاناة أعضاء هيئة التدريس لا يقدمون لي حقائق وأمثلة وأرقاماً وأفكاراً تدعم الطرح الموضوعي في هذا المجال، وإنما يطرحون معاناة انفعالية وأحياناً شخصية غير قابلة للتعميم، وهذا يصعّب المهمة الكتابية وبالذات في ظل بيئة تتميز بالفقر المعلوماتي… ليس ذلك فقط بل تأتيني ملاحظات وتعقيبات شفوية في غالب الأحيان، بعضها من أساتذة ومسؤولين بكلياتنا ولكنها تختم بما معناه “هذا رأيي لكن لا تذكر اسمي”، ولست أدري هل مرد ذلك الخوف، عدم الثقة، أم هو التكبر والترفع من قبل بعض الأكاديميين والقائمين على أمور جامعاتنا وكلياتنا والتعليم العالي بصفة عامة، عن مناقشة ما نطرحه من آراء، بشكل علني.

لست هنا أتهرب أو أتردد عن تبني الآراء الجيدة ولكن أظل بحاجة إلى معلومة وفكرة واضحة تسمح بتناول الموضوع كقضية عامة تستحق الطرح، وبحاجة إلى حوار يتحلى أصحابه بالجرأة والوضوح ليتم إثراء وتعميق الطرح الذي نتبناه، لأنه مهما بلغت قدرة الكاتب وجرأته تظل هناك معايير تحكم الكتابة الجادة ومصداقيتها التي أزعم بأن القارئ الواعي ينشدها ولن يرضى بتجاوزها..

مع تقديري لجميع الزملاء أعضاء هيئة التدريس بجميع جامعاتنا وكلياتنا ومعاهدنا السعودية..

أضف تعليق