أشار الدكتور أرنولد ريلمان، استاذ الطب والاجتماع الطبي المتقاعد بجامعة هارفارد الأمريكية، ورئيس تحرير مجلة نيو انجلند الطبية المعروفة عالمياً في المجال الطبي، أشار وهو الخبير الذي مارس وكتب وبحث في النظام الطبي الأمريكي لأكثر من عقدين من الزمان، بأن أكبر مشكلة تواجه النظام الصحي الأمريكي، ومشاكله كثيرة، هي تشجيع الاستثمار الخاص الربحي في المجال الطبي، وهو المجال الذي يخص كافة الناس، أو العامة، ومما يثبت سلبية النظام الصحي الأمريكي هو كونه النظام الأكثر كلفة على المستوى العالمي، ورغم ذلك فإنه لا يوجد نظام يفتقد العدالة في توفير الخدمة الصحية للجميع كالنظام الأمريكي، وبالذات في حالة مقارنته بأنظمة بقية الدول الصناعية الكبرى ككندا والمملكة المتحدة واليابان، وغيرها، ويضيف الدكتور ريلمان بأن الفئة المتحمسة للنظام الصحي الأمريكي المعتمد على القطاع الخاص الربحي، هي في الغالب فئة المستفيدين من ذلك النظام كالتجار المستثمرين في المجال والممارسين وحاملي الأسهم المستفيدين من التنافس التجاري وليس الصحي الحاصل في القطاع الصحي الأمريكي.
الولايات المتحدة ربما تكون الأولى تقنياً وعلمياً في المجال الصحي، ومراكزها الصحية الكبرى تقدم أرقى الخدمات الصحية على مستوى العالم، ولكن بالنظر إلى النظام بشكل شامل ومدى عدالته وكفاءته في توزيع الخدمة الصحية وفق أدنى التكاليف نجده نظاماً فاشلاً مقارنة بكثير من الأنظمة العالمية، وقد أكد ذلك تقرير منظمة الصحة العالمية حيث وضع النظام الأمريكي في مرحلة متأخرة مقارنة بدول أقل نمواً وتفوقاً في المجال الاقتصادي والعسكري والتقني، فهل يستنتج من تقرير منظمة الصحة العالمية بأن التقدم الطبي التقني أو العلمي أفضل منه في تلك الدول عنه في الولايات المتحدة؟ لو كانت الأنظمة الصحية تقاس بالتكنولوجيا أو بالرساميل المالية للمراكز الصحية الكبرى…؟
الخدمة الصحية خدمة اجتماعية بالمرتبة الأولى وليست خدمة استثمارية، وما يقال عن اختيارات الزبون الذي توفره الخدمات الصحية الخاصة، غير دقيق ولا يتوفر حتى في الولايات المتحدة، لأن الزبون/ المريض لن يكون في وضع اختيار حين يداهمه المرض. المريض ليس مثل الزبون أو العميل العادي الذي يتمكن من اختيار السوق الذي يشتري منه احتياجاته، وهذا ما يجعلنا لا نشتري الخدمة الصحية مباشرة بل عن طريق شركات التأمين، وعن طريق أناس مدربين ومؤهلين وليس مجرد باعة أو مسوقين لخدمة أو بضاعة محددة.
بتصرف كانت تلك شهادة أحد كبار الباحثين والعارفين بخفايا النظام الصحي الأمريكي، أوردها ضمن سياق رؤيته حول النظام الصحي الكندي، الذي يشهد جدلاً بين التمسك بمبادئه المعتمدة على النظام الصحي الحكومي أم السماح بإدخال النظام الصحي الخاص جنباً إلى جنب مع النظام الحكومي المعتمد على التأمين الحكومي، حيث تعتبر كندا من الدول الرائدة في هذا المجال، ومازالت الغالبية بما فيها الحكومة معارضة للسماح بوجود النظام الصحي الخاص، التجاري، جنباً إلى جنب مع النظام الحكومي القائم، خشية إنعدام العدالة في تقديم الخدمة الصحية وخشية ايجاد طبقية في مجال تلقي الخدمة الصحية الرئيسية، أو حرمان فئات معينة غير قادرة على الاستفادة من الخدمة الصحية المطابقة للمعايير الصحية المقبولة، كما يوجد في الولايات المتحدة التي يوجد بها عشرون مليون شخص يفتقدون إلى التأمين الصحي المناسب.
لماذا اهتم بتلك الشهادة أو المقارنة؟
اعتقد بأن أساس النظام الصحي هو مدى التزامه بالمعايير الأخلاقية الطبية، ومن أبرز تلك المعايير توفر العدالة في توزيع وتقديم الخدمة الصحية، العدالة على مستوى الفرد وعلى المستوى الجغرافي للدولة، وعلى المستوى الاجتماعي، فالولايات المتحدة تتقدم دول العالم في مجال التقنيات العلمية والصحية والتكنولوجية، وتتقدم دول العالم في قوة الرساميل المالية والتجارية الصحية، ولديها مراكز زراعة الكبد وزراعة القلب وأمراض السرطان وأبحاث الجينات… إلخ ورغم ذلك تم تصنيفها من قبل تقرير منظمة الصحة العالمية في مرتبة متأخرة مقارنة بدول نامية وأقربها إلينا، دولة عمان الشقيقة، التي احتلت المركز الثامن، كأفضل دولة عربية في ذلك التقرير، بما في ذلك المملكة، لأن معايير كفاءة النظام الصحي ليست محصورة في التقنية وفخامة المراكز الصحية، وتعدد التخصصات الصعبة، ذات البريق الإعلامي مثل مراكز زراعة الكبد والقلب. وإنما هي معايير تتمثل في كفاءة النظام بصفة عامة في مجال تقديم الخدمات الصحية الأساسية، من الناحية النوعية والاقتصادية، ومدى التزامه بأخلاقيات ومعايير العدالة الاجتماعية والصحية.. فكيف هو نظامنا الصحي المحلي ضمن تلك الأطر والمعايير؟
النظام الأساسي لدينا كفل تقديم الخدمة الصحية للجميع، وبالتالي ليس هناك اختلاف في المبدأ حول حرص المشرع وواضع النظام على توفير الخدمة الصحية بأفضل كفاءة ممكنة، وللجميع، بما ينطوي عليه ذلك من عدالة توزيع الخدمة وكفاءتها، ولكن الواقع الفعلي يشير إلى اننا سائرون في طريق عشوائي في تنظيم الخدمات الصحية، طريق لن يقود فقط إلى افتقاد النظام الصحي إلى بعض أسس الكفاءة، وإنما إلى فقدانه بعض مبادئه الأساسية التي ننشدها، كالعدالة والشمول، وبكل أسف في ظل فقدان الرؤية الشاملة والفاعلة في التطوير الاستراتيجي المبني على ثوابت واضحة، سنظل نسير في طريق غير واضح المعالم، بمباركة من الجهات الصحية التخطيطية المعنية، والتي لا تكتفي بتشجيع القطاع التجاري الصحي بل تحيل الخدمة الصحية إلى سلعة تجارية، أشبه ما تكون بالسلع الكمالية، يحصل عليها القادرون وتستحيل أو هي صعبة المنال على الضعفاء الذين لا يملكون حظاً وفيراً من المال أو العلاقات.
أشعر بأنني أكثر من نقد النظام الصحي لدينا، والبعض لا يفرق بين نقد النظام والتنظيم ونقد التميز في بعض التخصصات النادرة، فنجده يحتج بتقدمنا في زراعة الكبد والقلب وفي خدماتنا لحجاج بيت الله الحرام، وفي أعداد مستشفياتنا وأسرتها وبالتالي يجعل ذلك مؤشراً للتقدم، وليس لدي اعتراض على تقدم برنامج زراعة الكبد أو الرحم أو القلب، ولكن نحن نسأل عن التنظيم… عن العدالة في تقديم الخدمات الصحية… عن توفير الرعاية الصحية الأساسية لكافة المواطنين والمقيمين بشكل ميسر ومتساوٍ.. عن مدى رضا المرضى والمجتمع عن كفاءة وأداء القطاع الصحي… عن كفاءة النظام الصحي بمجمله وعلى مستوى الوطن اقتصادياً ونوعياً… فنجدها متدنية بشكل كبير وهي المعايير التي تميز نظام عن نظام، وهي ما جعل النظام الصحي بدولة عمان يتقدم على النظام الصحي بالمملكة أو بالولايات المتحدة… فهل يوجد لدينا نظام صحي متكامل؟ أم مجرد مجموعة قرارات وتوجيهات ملحقة بنظام قديم منتهي الصلاحية، لا تربطها استراتيجية واحدة، وتتعارض مع بعضها البعض بشكل واضح وصارخ؟
إذا كنت أكرر بأن الأخلاقيات هي أساس الخدمة الصحية، وليس المكسب والخسارة وليس التقدم أو التأخر التقني، والأخلاقيات والقيم التي أتحدث عنها، هي أخلاقيات الممارسة، عدالة توزيع الخدمة، واحترام المهنة للمريض كمريض، فإنني أسأل كيف يحافظ نظامنا الصحي على أخلاقياته المهنية، وهو يدفع الأطباء للتحول إلى تجار مشتتة أذهانهم بين الحكومي والخاص، الخاص والتعليمي، بين الإخلاص في خدمة المريض والإخلاص في خدمة الحساب المالي الشخصي؟ كيف أضمن حرص المستشفى الحكومي على تقديم خدمة مثالية للمواطن، بشكل مجاني وفي نفس الوقت أغريه بأن بإمكانه تقديم نفس الخدمة وفي نفس المكان مقابل رسوم مادية؟ هل نحن نتصور الأطباء وإداريي المستشفيات بهذا النقاء والبياض والصفاء العادل حين نتوقع أن يفصلوا بين المصالح الخاصة بهم وبمؤسساتهم وبين المصالح الوطنية والاجتماعية العادلة في تقديم الخدمة الصحية مجاناً؟ هل تحول النظام الصحي هنا إلى مجرد ملاية نظامية لخدمة أطماع تجار الصحة الجدد، الأطباء والمؤسسات الصحية الحكومية وغير الحكومية؟ هل تحوّل النظام من أولوية خدمة المريض المواطن إلى خدمة التاجر الصحي، فرداً كان أم مؤسسة؟
حين استعير شهادة الدكتور أرنولد، فإنني لا أزعم بأننا نسير نحو تطبيق النموذج الأمريكي، لأننا لم نمتلك ايجابياته التقنية والتنظيمية والاقتصادية، نفتقد التشريعات الصحية الواضحة، نفتقد وسائل الرقابة والتقييم الفعالة في المجال الصحي، ومازلنا نحبو في مجال التقنيات الصحية والتنظيمية، وبالتالي نرى الخدمات الصحية لدينا تتحوّل إلى التجارة في سوق صحي، أشبه بالحراج الذي يحوي ما هب ودب من السلع المختلفة وبعضها معطوب ورخيص القيمة. لست أحصر نقاط الضعف في نظامنا الصحي النوعية والاقتصادية والتعليمية والتنظيمية، في هذا المقال، وإنما ألفت الانتباه إلى ضرورة المسارعة بإصلاح النظام الصحي، بشكل فعّال وجذري، قبل أن يصل السيل الزبى، فلا نملك حينها سوى البكاء على مآسينا الصحية، التي سيشبع من ورائها التجار مالاً. وسيزداد من ورائها الأطباء ثراء، وسيبرز من ورائها المعنيون بالنظام الصحي إعلامياً.