الحديث عن اقتصاديات الصحة بما يعنيه المصطلح من البحث عن مصادر تمويلية أكثر ثباتاً واستقراراً للقطاع الصحي، قاد إلى التفكير الجاد في الاستفادة من الوقف الإسلامي في تمويل الخدمات الصحية، بدليل التركيز على موضوع الوقف الصحي كمحور رئيسي من محاور لقاء اقتصاديات الصحة المشار إليه في مقال سابق – سيعقد الشهر القادم برعاية سمو أمير منطقة الرياض – وبدليل توقيع وزارة الصحة اتفاقيات مع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بخصوص تطوير موضوع الوقف الصحي.
الوقف الإسلامي كما عرف العلماء «حبس الأصل وتسبيل المنفعة أخذاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب : (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها) أي أن يُحبَس أصل من الأصول أو عين كمزرعة أو مصنع أو أي عقار من العقارات بحيث يصرف نتاجه أو ريعه على المحتاجين في أوجه البر عامة التي يحددها الواقف أو الناظر على الوقف».
الوقف الصحي بمفهوم تحبيس الأصل والتصدق أو تسبيل المنفعة لأجل دعم الأعمال الصحية، بمفهومها الحديث غير واضح المعالم في المجال الصحي بالمملكة، حيث جل الخدمات الوقفية المتعارف عليها تذهب في دعم الفقراء والمحتاجين في أوجه البر العامة، وليس المتخصصة، ويبدو أنه – أي الوقف الصحي – سيأخذ وقتاً لتتم بلورته وتطوير أسسه بشكل سليم وواضح، ويتحمل ذلك كلا القطاعين الصحي والمعني بإدارة الأوقاف.
بالنسبة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بصفتها المعنية بإدارة الأوقاف في المملكة العربية السعودية، فإن إدارتها للاوقاف تظل متواضعة ولم تتجاوز التسجيل والحصر للأوقاف المتنوعة، لكن إدارة الوقف المتخصص من جانب تطويره وتنميته لاتزال دون المأمول، والسبب في ذلك هو التردد في موضوع الاستثمار في مجال الأوقاف وتراكم أوقاف في مجالات محدودة يصعب تطويرها استثمارياً. سمعنا عن مجلس يسمى مجلس الأوقاف، لكننا بكل أسف لا نعرف مهامه، كدليل على عدم فاعليته في أرض الواقع!
بالنسبة للقطاع الصحي فهو أيضاً يتحمل المسؤولية لعدم قدرته على تطوير أنظمة مقننة واضحة في هذا الشأن وعدم إقامته لمشاريع صحية خيرية بارزة المقاصد يلمسها الراغب في إيقاف جزء من ماله، مع تقديرنا لتجربة بعض جمعيات المعوقين في هذا الشأن وهي تدرج ضمن العمل الاجتماعي أكثر منه الصحي.
قبل أن تنتهي المساحة المحددة، كنت أود الكتابة عن السهم الوقفي الصحي أو صندوق الوقف الصحي، لكنني وعطفاً على ماذكرته أعلاه أكتفي بالسؤال عن جاهزيتنا لتبني مثل تلك المبادرات…؟