المجلس المفتوح باب الرقابة العالي

ولا ننسى بأن نهمس هنا في أذان المسؤولين في القطاعات المختلفة التي يحضر منسوبوها مجلس ولي الأمر، بأن لا تستغل تلك اللقاءات لتكون فرصة للظهور والاستئثار بالحوار، وبالتالي حجب بعض آراء المواطنين والمتخصصين

من الصفات الفريدة التي تميزت، ولا تزال تتميز بها بلادنا الغالية، وتلقت انتباه المراقبين تلك اللقاءات المفتوحة التي يتبناها ولاة الأمر للالتقاء بالمواطنين والمقيمين، دون حواجز أو عقبات بيروقراطية وإدارية، والتي تعرف بسياسة الباب المفتوح، ويحرص ولاة الأمر على تواصلها وانتظامها بشكل دائم. من وحي تلك اللقاءات وتميزها بالترحيب في مجلس ولي الأمر لكل من رغب من المواطنين والمقيمين بمقابلته، نستمد روح هذا المقال لنعبر عن وجهة نظر في ربط سياسة الباب المفتوح تلك بقضية الرقابة الهادفة إلى التطوير، وهي وجهة نظر لا ندعي بأنها خافية عن ولاة الأمر، وانما نعبر عنها كأننا نحظى بشرف حضور أحد المجالس المفتوحة تلك، وننقل وجهة نظرنا دون عائق أو حاجز…

هناك أربعة دوافع لمرتادي مجلس ولي الأمر المفتوح، ولا يقصد بهم من يجتمع مع صاحب المجلس وفق جدول أعمال إداري أو سياسي مسبق، وإنما عامة المواطنين والمقيمين الذين يحضرون المجلس المفتوح، يمكن تلخيصها في الآتي:

1ـ ارتياد المجلس بغرض السلام على ولي الأمر، وهذا غرض مشروع يشجعه ولي الأمر، ويحرص عليه البعض، من مبدأ الألفة والتلاحم بين أفراد الأسرة الواحدة، التي يزور أفرادها بعضهم بعضاً، ويسعد الصغير فيهم بالسلام على الكبير مقاما، ولا يتأفف الكبير من الترحيب بأبناء الأسرة من مختلف مشاربهم وطبقاتهم..

2ـ ارتياد المجلس بغرض الحصول على طلبات شخصية بحتة، وليس في ذلك غرابة فالكريم هو من يلج الناس بابه ويبحثون عن كرمه وإحسانه، وصفات الكرم متأصلة في أبناء الجزيرة منذ القدم، ويحرص ولاة الأمر في الحفاظ عليها، حيث الكريم مثلهم تعود فتح مجلسه للضيف والزائر والغريب على السواء..

3ـ ارتياد المجلس بغرض الحصول على تحقيق طلب حتى وإن بدا شخصياً، إلا أنه كان يمكن تحقيقه عن طريق الإدارات التنفيذية المعنية، دون اللجوء الى أعلى سلطة في الدولة، وهذه الطلبات من ولي الأمر مباشرة دافعها اما جهل أصحابها بإمكانية تحقيقها عن طريق الجهات المعنية، أو شك في إمكانية تحقيقها عن طريق الجهات التنفيذية المعنية مباشرة، لأسباب مختلفة ليس المجال التوسع فيها…

4ـ ارتياد المجلس بغرض انهاء معاملة حكومية تعثرت لدى الجهاز التنفيذي المباشر أو أعيق تنفيذها بشكل لم يقنع صاحبها أو بغير وجه حق، كما يرى صاحب المعاملة، الذي رأى أن من حقه الرفع لولاة الأمر بذلك والبحث عن مساعدتهم في تحقيق مطالبه، وأحياناً يمكن وصف ذلك بأنه شكوى لولي الأمر ضد أحد القطاعات أو الجهات التنفيذية، أو أحد المسؤولين، الذين يخضعون في النهاية لسلطة وتوجيهات ولي الأمر ـ حفظه الله ـ .

نركز في هذا المقال على الهدفين الأخيرين من أهداف ارتياد مجلس ولي الأمر، حيث نرى أنهما يوفران ثروة رقابية متميزة، قد تفوق ما تقوم به دوائر الرقابة والمجالس المعنية، لأنها ثروة تمثل نبض الشارع، بعيداً عن العوائق البيروقراطية والإدارية، بل ويمكن الاستدلال منها عن مدى الرضا الذي يملكه المواطن عن أداء كثير من القطاعات وجودة الخدمات التي تقدمها، فكما هو معروف هناك مستويات إدارية متعددة، ويفترض أن تحل الأجهزة التنفيذية قضايا ومشكلات المواطنين مباشرة، دون تأخير وتعقيد وتسويف، ولكن حين يقفز المواطن، أو يتجاوز، أو يضطر الى تجاوز الأجهزة التنفيذية ومخاطبة الجهات العليا مباشرة لتحقيق طلبه أو حل قضيته، فإن ذلك يعني أن هناك خللاً أو قصوراً في تعامل الإدارة التنفيذية بالقطاع المعني مع رغبات وطلبات المواطن، أو أن هناك نقصاً في الثقة بين المواطن وتلك الجهات.

من هنا أرى أن تكرر الشكوى لدى ولي الأمر من جهة معينة يجب أن يوضع في سياق رقابي يتجاوز مجرد حل قضية ذلك المواطن، أو تحقيق طلبه، الى مساءلة الجهة المعنية والحرص على عدم تكرار ما بدر من قصور في عملها، أو تسهيل مهامها ان وجدت عوائق تعيق تحقيقها ما يصبو إليه ولاة الأمر، ويطمح فيه أبناء هذا الوطن المعطاء. وهذا هو المطلب الذي يدعوني الى القول بأن سياسة الباب المفتوح يمكن أن تكون وسيلة للرقابة، أو ما أسميته في العنوان باب الرقابة العالي.

بالتأكيد لا أتدخل في تفاصيل العمل الذي يتم في مجالس ولاة الأمر ولكنني أشرح بأنه ربما يكون من المفيد تطوير آليات عمل المجالس المفتوحة تلك، بتطوير آلية التعامل مع القضايا والطلبات التي يتقدم بها رواد المجلس المفتوح من المواطنين، وغالباً ما تقدم تلك الطلبات والقضايا في شكل مكتوب (معاريض) أو صور معاملات، من مجرد قضايا فردية الى تصنيفها، والخروج في النهاية برؤية/ تقرير حول أبرز طلبات وملاحظات وشكاوى المواطنين حول مختلف الأجهزة التنفيذية، وبالتالي مساءلة الوزير أو المسؤول حول ذلك، أو حتى إحالة تلك التقارير للجهات الرقابية والتنظيمية المختلفة، لمساعدتها في المتابعة والتأكد من أوجه القصور وكيفية معالجتها لدى بعض الأجهزة..

لا نطالب بالتخلي عن سياسة الباب المفتوح، ولا التخلي كذلك عن اتخاذ الاجراءات اللازمة تجاه القضايا الفردية المقدمة لولي الأمر، ولكن يهمنا أن يدرك المسؤول التنفيذي المباشر بأنه وضع في مكانه لخدمة المواطن، وبأن ولي الأمر عندما يستمع للمواطن دون حواجز وعوائق إدارية، فإنه لا يهدف فقط الى حل القضايا الفردية وانما يتخذ ذلك كجزء من السياسة الهادفة الى التطوير الإداري الشامل، ومعرفة أوجه القصور، كما يراها المواطن أو المقيم، المستفيد النهائي مما تقدمه مختلف القطاعات التنفيذية بالدولة، وبالتالي السعي نحو محاسبة كل مقصر، سياسة الباب المفتوح تسهم في التعرف على سير الأعمال اليومية في مختلف القطاعات. ومن خلالها يمكن التعرف على تطور كفاءة جهاز إداري ما من خلال تتبع ملاحظات وشكاوى المواطنين، فإن هي ازدادت فذلك دلالة على تدني أداء الجهاز، وإن هي تلاشت أو اختفت فذلك دلالة على تحسن أداء الجهاز التنفيذي، وحرصه على تنفيذ توجيهات ولاة الأمر، الداعية الى الحرص على راحة المواطن والمقيم..

لقاءات ولي العهد

على ضوء الأحداث التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر، للعام المنصرم، دعا سمو ولي العهد ـ حفظه الله ـ كثير من ابناء هذا الوطن في تخصصات وقطاعات مختلفة، الى مجلسه العامر، وأطلعهم على مواقف المملكة الثابتة من قضايا الساعة وتحاور معهم، كل في تخصصه. تلك اللقاءات حظيت بردود أفعال ايجابية واستقبلت بكثير من الترحاب، مما يدفع بنا، وقد سمح لنا ولي الأمر بولوج مجلسه عبر هذا المقال، الى الدعوة الى استمرارية تلك النوعية من اللقاءات بشكل دوري، مع مختلف الفئات في القطاعات المختلفة التي يجمع ابناءها هموم متقاربة ومشتركة، كأن يكون هناك لقاء دوري مع رجال ونساء التعليم، وآخر مع العاملين في المجال الصحي وثالث مع رجال الأعمال ورابع مع المزارعين وخامس مع الأدباء والمثقفين.. الخ فمثل تلك اللقاءات ليست حصراً على ظروف زمانية محددة، وهي ليست جديدة على ولاة الأمر ببلادنا ولكنها اتخذت صيغة مكثفة في الفترة الأخيرة بشكل يدعونا الى التفاؤل باستمراريتها. تلك اللقاءات وان بدت متخصصة وتجمع المنتمين الى قطاع واحد، الا انها تعتبر جزءاً، أو حلقة متطورة من حلقات سياسة الباب المفتوح التي تنعم بها مجالس ولاة الأمر في بلادنا، وتدل على أنه كما يحرص المسؤول على سماع رأي المواطن العادي، فإنه أيضاً يرحب بالسماع برأي المتخصص والمعني بقطاع أو موضوع معين، فالشورى والتشاور في بلادنا قائمة ليس فقط بأطرها التنظيمية المتعارف عليها، ولكن باللقاءات المفتوحة المتميزة بالحوار والوضوح والصراحة، التي رأينا أحد أمثلتها في ما حدث عقب الأزمة الأخيرة، حينما صارح ولي العهد وأطلع أبناء بلده من مختلف الفئات المثقفة والفاعلة حول مواقف بلادنا من الأحداث وجهودها السياسية في تبيان وتوضيح تلك المواقف للآخرين، وفي الوقت نفسه استمع الى بعض همومهم وآرائهم في القضايا محل النقاش..

ولا ننسى بأن نهمس هنا في أذان المسؤولين في القطاعات المختلفة التي يحضر منسوبوها مجلس ولي الأمر، بأن لا تستغل تلك اللقاءات لتكون فرصة للظهور والاستئثار بالحوار، وبالتالي حجب بعض آراء المواطنين والمتخصصين، الذين لو لم يود ولي الأمر سماعهم، لما حرص على حضورهم، ورحب بهم خير ترحيب في مجلسه العامر..

مع دعواتنا الدائمة بأن يحفظ الله بلادنا ويحمي أهلها من كل شر وسوء.

أضف تعليق