* العولمة مصطلح أصبح يستخدم بشكل مرادف للتطور الحاصل في زماننا هذا والمستقبل القريب، فتجد الجميع يدعي جاهزيته للعولمة، ودخوله عصر العولمة ونجد التباين في تعريفات العولمة ومدى قبولها ورفضها، وأحياناً يتصور الإنسان بأن هذه العولمة مبنى سينجح من يدخل بابه ويرسب من لا يتمكن من الولوج إلى داخله، ولمحاولة فهم موضوع المجتمع المدني في زمن العولمة، سأركز النقاش في مقال اليوم حول بعض جوانب العولمة بشكل عام، كما سأتطرق في مقال قادم إلى مفهوم المجتمع المدني بصفته مفهوماً يصلح لأن يكون إطارا مناسبا لمقاومة تأثيرات العولمة السلبية..
مصطلح العولمة أو ما يعرف باللغة الانجليزية بـglobalization انتشر بسرعة كبيرة خلال السنوات العشر الأخيرة، وأكبر الخلط الذي نلحظه في تحديد مفهوم العولمة، هو حصرها في نقطة التبادل التجاري دون عوائق حدودية، وهذا مفهوم ليس بالجديد، فأيا كانت التسمية فلم تتوقف الدول عن التبادل التجاري مع الآخرين ولم تتمكن دولة من إغلاق حدودها في وجه كل ما يأتي أو يذهب للخارج، ونعتقد ان الميل إلى حصر مفهوم العولمة في بعده الاقتصادي مرده نشوء مفهوم العولمة بالتزامن أو بمساندة مفهوم التجارة الدولية الذي تشرف عليه منظمة التجارة العالمية وما في حكمها من منظمات وتعريفات، ولا يخفى صحة ذلك ولكن التبادل التجاري ليس الوجه الوحيد للعولمة..
العولمة لاشك تبدو وكأنها صنيعة العالم الأقوى في زماننا، العالم الأوروبي والأمريكي، وبالذات كون ذلك العالم ومن موقعه القوي سعى إلى فرض العولمة وفق مفهوم ومعايير تناسبه بالدرجة الأولى، ولكن الواقع الذي يجب أن ندركه بأن مفهوم العولمة ليس مفهوماً ينطبق عليه وصف المؤامرة أو مفهوماً تم الاجتماع على صياغته واعتباره سلاحاً في يد طرف ضد الآخر بقدر ما هو نتاج للتحولات الاقتصادية والتقنية وبالذات بما يعرف بتحولات ما بعد الثورة الصناعية، وضرر المفهوم يعتمد على الزاوية التي منها ينظر إليه، فبينما العالم الثالث يرتاب من العالم الصناعي بأن العولمة بالنسبة له، هي جسر لمزيد من السيطرة غير المباشرة على موارد وتوجهات العالم الثالث، فإن العالم المتقدم يشهد كذلك جدلاً داخلياً حول صياغة المفهوم العولمي وأضراره وفوائده المباشرة وغير المباشرة، ويكفي مثالاً على ذلك بأن أحد مظاهر السوق الحر والنظام الاقتصادي الجديد الذي يمثل أحد أوجه العولمة، أدى إلى أن تصبح ثروة أغنى ثلاثة رجال في الولايات المتحدة معادلة لثروة أفقر مائة مليون شخص في الولايات المتحدة، وهذا بذاته يقود إلى أحد أبرز سلبيات العولمة سواء على مستوى الأفراد داخل الكيان الواحد أو على مستوى الدول، ألا وهو تجمع الثروات بيد فئة قليلة، على حساب الفئة الأكبر من الدول أو الأفراد، وبالتالي تحول تلك الفئة بقوتها المادية إلى التحكم في الفئة الأكبر من الناس، بل وتأثير تلك الفئة بما تملكه من نفوذ في بعض التوجهات الرسمية للدول، وهو تحكم يسيطر عليه غالباً التوجه الاقتصادي البحت وما بين السعي نحو دفع العالم لتبني المعايير التي تفرضها الفئة القوية وبين مقاومة الآخرين تنشأ بؤر الصراع التي من أسبابها عدم مراعاة اختلاف الامكانيات التنظيمية والادارية والسياسية والاجتماعية والتراثية فيما بين الدول، ومحاولة فرض معايير ونظم الطرف الأقوى في المعادلة، لتكون المثال الذي يحتذى..
هل يمكن رفض العولمة طالما هي مفهوم منشأه الآخر؟
للاجابة عن هذا السؤال أعيد الصياغة لتكون هل يمكننا الاستغناء عن ركوب السيارة اليابانية والاستغناء عن استخدام مايكروسوفت الأمريكية وعدم الشراء من السوبرماركت الذي يبيع المنتجات الهولندية والتخلي عن ركوب الطائرة الأوروبية، وتجنب شرب القهوة البرازيلية؟
ولأن الاجابة ستكون بالنفي فنحن لا نملك الرفض لمفهوم العولمة، وبالذات كونه مفهوما لن ينتظر الإذن بالدخول، بل ولن ينتظر حتى أن تتولى الحكومات العالمية تسويقه، لأنه هو السوق الذي تتحكم فيه كبريات الشركات والمؤسسات الكبرى، والتي أصبحت تسخر قادة العالم لخدمتها وتحقيق أهدافها في تحقيق مزيد من الأرباح ومزيد من الانتشار، ونأتي هنا على ذكر مثال للشركات العملاقة التي تفوق قوة الدول، شركة تالمسان الكندية، حيث سعى وزير خارجية كندا السابق إلى ايقاف عمل شركة تالمسان العملاقة للتنقيب عن البترول في السودان بحجة أنها تساعد الحكومة السودانية في القيام بمزيد من الحروب ضد أهالي الجنوب السوداني والمعارضين، وهو ما يتنافى مع سياسة كندا الخارجية الداعية إلى ايقاف تلك الحرب، ورغم اثبات الوزير لتلك المساعدة حسب ما صرح به لاحقاً فإنه لم يستطع استصدار حكم بايقاف أعمال الشركة من الحكومة أو البرلمان الكندي ولم يستطع كذلك الحصول على مساندة أعضاء مجلس الأمن في طرح قرار المقاطعة ضمن أجندة الأمم المتحدة، لماذا؟ لأن شركة تالمسان أقوى من أي وزير داخل كندا بما في ذلك رئيس الوزراء وأية قرار يتخذ ضدها قد يقود إلى الاطاحة بالحزب الحاكم، وهو الذي بحاجة إلى أصوات المواطنين الكنديين وأغنيائهم الشركاء في شركة تالمسان، التي يعمل بها آلاف الكنديين..
إذاً العولمة من مظاهرها توغل الشركات والمؤسسات العالمية في العمل في كافة أنحاء العالم ولا سبيل لأي حكومة بايقافها، بما في ذلك الدول الكبرى، وسيسعى الجميع نحو الهدف بأن يكون العالم أشبه بقرية واحدة، بما يتطلبه ذلك من الاتجاه نحو نموذج السوق الموحد، الذي يتيح السيادة للأقوى والاكفأ، وبالذات في المجالات التقنية والاقتصادية والأقوى هنا هو من يملك السلاح اللازم للمنافسة والبقاء ضمن هذه القرية لاعباً يملك الكلمة التي تحقق كرامته وتحفظ مصالحه، الأقوى هنا هو من تثبت مؤسساته وكياناته الاقتصادية والادارية والتقنية بأنها قادرة على المنافسة.. أما الضعيف فلن يكون أكثر من مجرد مستهلك يمتص الأقوياء موارده ويرمون إليه بالبقايا التي تحافظ على بقائه تابعاً يلهث خلفهم بما يحمله ذلك من ذل وانكسار، وهل استثمار شركة شل للبترول النيجيري أو تالمسان للبترول السوداني، إلا مثال لذلك حيث لم يؤد ذلك الاستثمار إلى تطوير البلاد صاحبة الثروة الحقيقية بقدر ما يبحث عن أكبر قدر من الغلة التي تصب في نماء وزيادة قوة تلك الشركات والدول القوية التي هي تابعة لها..
أحد الأخطاء الكبرى التي ترتكبها كثير من دول العالم الثالث، هو نظرتها نحو مفهوم العولمة، واعتقادها بأن مجرد الدخول ضمن منظومة منظمة التجارة العالمية سيكون كافياً لدخولها عصر العولمة واعتبارها دولة متقدمة ضمن نادي الكبار، حتى أضحى الدخول في منظومة التجارة العالمية هو الهدف بذاته وليس الوسيلة التي يفترض أن تقود إلى التطوير التقني والاداري والاقتصادي، وحتى في السعي نحو الانضمام إلى هذه المنظمة يركز الكثيرون على الجانب الاقتصادي بتعريفاته السطحية المتمثلة في الوفرة المادية وحركة التبادل التجاري، متناسين ان من أهم المبادئ الرئيسية في هذا المجال هو تحرير الاقتصاد وتطوير النظم الادارية وزيادة مساحة الشفافية والوضوح لدى الأنظمة، وهي مبادئ لا يمكن أن تقوم بها وزارة الاقتصاد أو التجارة أو الصناعة فقط، بل لابد أن تكون ممارسة وسلوكا وهدفا استراتيجيا تسير كافة مؤسسات وقطاعات ومنظمات الدولة العامة والخاصة والأهلية نحو تحقيقه، وربما كان ذلك سبباً في انضمام دول عربية صغيرة مثل دولة عمان إلى منظمة التجارة العالمية بالرغم من كونها لا تملك الغنى والوفرة الاقتصادية التي تملكها بقية دول الخليج العربي أو بعض الدول العربية الأخرى التي تسعى جاهدة للانضمام إلى هذه المنظمة العالمية..
من الأخطاء الكبرى أيضاً في التعامل مع مفهوم العولمة والتجارة العالمية، النظرة قصيرة المدى، التي تبحث عن مكاسب إعلامية وسياسية مؤقتة أكثر منها مكاسب مستقبلية يتم تنفيذها وفق استراتيجيات طويلة ومتوسطة المدى تحقق الهدف المنشود في النهاية، إن مفهوم العولمة بشكله الحديث استغرق تشكيله ولايزال يتشكل عقودا من الزمان، ولكن العالم العربي وما يملكه من ضعف واضح في قراءة المستقبل وما يتصف به من تخبط في الاستثمار والتطوير والانفاق في الأولويات، يريد ان يلحق بالركب بمجرد خطاب أو قرار يصدره القائد، أو بمجرد الوقوف أمام أضواء الفلاشات في محفل عالمي.. ولعله من المفيد الاشارة إلى ان احد الاستراتيجيات التي استخدمت في القضاء على قوة الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى تمثلت في اندفاعه إلى اغراءات الغرب في التسلح والانفاق بسخاء على أسلحة لا يوجد لها فاعلية مستقبلية كبرى، وبدفعه إلى صراعات اقليمية لا جدوى منها، ولكن أجهزة المخابرات الغربية وأبواقه الإعلامية، صورت للاتحاد السوفياتي بأهمية تلك الأسلحة وبامكانية تطويرها لتكون أسلحة المستقبل، والنتيجة كانت استنزاف موارد وجهود الاتحاد السوفياتي في هذا الجانب على حساب تطوير كوادره البشرية ونظمه الادارية والاقتصادية وبالتالي كانت النتيجة الحتمية هي السقوط..
بغض النظر عن صدق هذا التحليل فإنه يبدو كشاهد لما يقاد إليه العالم الثالث بما فيه عالمنا العربي نحو الانفاق في التسلح والانفاق في الاستهلاك والتوهان في غول ضخم من البيروقراطية السلبية والتعقيد الاداري والسياسي والانفاق في أوجه عسكرية وترويحية وكمالية على حساب تطوير اساسيات المستقبل، وكذا في تضخيم صراعاته البدائية مع بعضه البعض.. وبشكل خاص على حساب تطوير القاعدة البشرية والتقنية القادرة على المنافسة الحقة للآخرين، وبالتالي نرى النتيجة هي الاستمرار في الاعتماد على الآخر، أو البحث عن حلول جزئية قصيرة المدى لا تعني أكثر من دغدغة المشاعر واللعب على حبال العاطفة الوطنية والدينية، وتسخير الآلة الإعلامية لخدمة أغراض مهما كانت صيغها البلاغية فهي في النهاية تخدم الرمز السياسي الراهن على حساب المصلحة الوطنية المستقبلية، بل وعلى حساب الاستقرار السياسي المستقبلي..
انه يصعب علينا توجيه السؤال ما الفائدة من الانضمام إلى مثل منظمة التجارة العالمية وفتح الأسواق المحلية أمام الآخرين دون فهم بقية عناصر العولمة وبالذات الادارية والتنظيمية والاجتماعية، لأن ذلك يفقدنا القدرة على التفاعل مع التطورات العالمية، وعليه نرى أن العناية بمفهوم العولمة على اعتبارها تطورا اقتصاديا دون فهم الآليات الاجتماعية والنظامية المحيطة بها يعتبر مفهوماً ناقصاً، لكنه لا يعني أن يكون البديل أمامنا هو البقاء خارج المنظومة العالمية بما يعنيه ذلك من التخلف عن ملاحقة الركب الحضاري، بل يعني مطالبتنا بضرورة ايجاد آليات قادرة على التفاعل مع التغييرات والتوجهات الادارية والاقتصادية والتنموية الحديثة التي ستحدثها العولمة، وأحد أبرز تلك الآليات هو تطوير ما يعرف بالمجتمع المدني، ومفهوم المجتمع المدني ومدى تحققه في العالم العربي هو أحد عناصر هذا المقال الرئيسية، ولمحدودية المساحة سيكون مفهوم المجتمع المدني مجال محور نقاشنا في مقال الأسبوع القادم..
اترك تعليقاً