الكادر الصحي ينتظر رصاصـة الرحمة

ثانياً: لابد من وضع مستويات تسمح للطبيب أو الصيدلي أو الاختصاصي أو الفني بالتطور والانتقال من مستوى إلى آخر بناء على تحصيله العلمي والمهني، حالياً يتساوى خريج المعهد الصحي مع خريج الكلية الجامعية مع حامل الدكتوراه في بعض التخصصات ويتساوى طبيب الامتياز مع الاستشاري

فنيو الإحصاء الصحي يتظلمون من الكادر الصحي كونه لم يشملهم وهم الذين لا يختلفون عن فئات أخرى ضمنها الكادر وليس لها احتكاك مباشر مع المرضى مثل موظفي السجلات الصحية والاداريين الصحيين، واعتقاداً منهم بأن معايير الانضمام للكادر هو القرب من المريض فإنهم يحتجون على أحقيتهم بالانضمام للكادر بكون عملهم ذي علاقة أو احتكاك بالمرضى أكثر من فئات أخرى ضمها الكادر…

أطباء وزارة الصحة يشتكون الكادر الصحي على اعتباره لا يطبق بنفس المواصفات على جميع أطباء القطاعات الحكومية الأخرى حيث يحصل أطباء القطاعات الصحية العسكرية على سبيل المثال على مميزات اضافية لا تتوفر لأطباء الصحة السكن أو بدل السكن والدورات التدريبية المختلفة، ويسمح لأطباء الجامعات بالعمل في القطاع الخاص بينما يمنع أطباء الصحة من ذلك…

العاملون في التخصصات الصحية المساندة والمساعدة والتطبيقية خريجو الكليات الصحية وخريجو كليات العلوم التطبيقية يتظلمون من عدم عدالة الكادر الصحي في معاملتهم في مجال بدل التفرغ حيث لا يعطيهم أكثر من 20% بينما يحصل الأطباء على 80% والصيادلة على 50% بدل تفرغ، ويرون أن 20% قليلة بحقهم مقارنة بالآخرين، ولأنهم يعتقدون أن نوعية ومدة الدراسة ربما تكون المبرر لهذا التفاوت يتساءلون هل فارق الدراسة بين الصيدلة والعلوم الطبية، وفارق طبيعة العمل يستحق يعادل هذا التفريق في بدل التفرغ..

العاملون في التخصصات الصحية المساعدة والفنية يشتكون عدم تفريق الكادر بين فئات الفنيين والاختصاصيين ويضع الجميع في سلة واحدة من حيث المسميات والمميزات التي أبرزها بدل التفرغ، ويتساءلون كيف يتساوى خريج الثانوية أو المعهد مع خريج الكلية المتوسطة أو الجامعية وخريج الجامعة مع أصحاب الدراسات العليا في مجالات التخصص..

تلك عناوين أصبحت مألوفة ومتداولة حول الكادر الصحي التوظيفي المفترض تطبيقه على العاملين في القطاعات الصحية الحكومية، ويمكن من خلالها الاستدلال على النقاط التالية:

أولاً: غالبية الفئات الصحية تتذمر من الكادر الصحي، فالممرض غير راض والفني غير راض وطبيب الصحة غير راض وخريج العلوم الطبية غير راض عن الكادر الصحي.

ثانياً: معايير الانضمام للكادر الصحي غير واضحة، فهل هو يشمل جميع العاملين في المجال الصحي أم فئات محددة؟ هل يطبق على جميع القطاعات الصحية الحكومية أم انه كادر خاص بوزارة الصحة؟

ثالثاً: الفروقات داخل النظام غير مبررة علمياً، أو على الأقل هي غير مفهومة للعاملين في المجال الصحي وهم المعنيون والمستفيدون من هذا الكادر، فهل هي معايير تبنى على طبيعة العمل؟ أم طبيعة الدراسة؟ أم مستوى الدراسة؟ أم مرجعية القطاع الصحي الحكومي؟ أم ماذا؟

بكل أسف اعتقد بأن الأسئلة الشكوى والتذمر من هذا المسمى الكادر الصحي ستستمر وسيغذيها ويزيد في تعقيدها طريقة التعامل التي تنتهجها كل من وزارة الصحة ووزارة الخدمة المدنية وغيرها من الجهات المعنية في التعامل مع هذا الموضوع، حيث انها دأبت بشكل دائم إلى التهرب من الاجابات الواضحة وحيث تتعامل كل جهة مع الموضوع بشكل سطحي الهدف منه التهرب عن تحمل المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخر، فوزارة الصحة تتهم وزارة الخدمة المدنية بأنها المعنية بالكادر ووزارة الخدمة المدنية تتهم مجلس الخدمة المدنية ومجلس الخدمة المدنية يرى بأنه جهة تنسيقية يعتمد على ما يحال إليه من وزارة الخدمة المدنية أو وزارة الصحة، وحتى مجلس الشورى الموقر يدور في فلك تجديد صياغات الأنظمة الصحية بمختلف مسمياتها وتفاصيلها ولكنه يتجاهل أو ينأى بنفسه عن مناقشة قضية الكادر وما يبثه المستفيدون منه من شكوى دائمة.. بل يخيل لي ان هذه الطريقة في التعامل توحي بأن الكادر الصحي تحول مع الزمن إلى نص غير قابل للتعديل أو التطوير، وهو الكادر الذي كان مجرد اجتهاد وضع في الماضي من قبل نخبة اجتهدت ولم توفق في وضع نظام عادل دون الانحياز لفئة دون الأخرى من العاملين في القطاع الصحي ودون إدراك طبيعة التطورات في المجال الصحي..

مع تقديري لوزارة الخدمة المدنية ووزارة الصحة ووزارة المالية وغيرها من الجهات المعنية على كل الترقيعات المبذولة لإصلاح الكادر الصحي، فإن الترقيع لم يعد ينفع، والحاجة أصبحت ماسة إلى إعادة النظر في الكادر الصحي بأكمله، بل ايجاد كادر صحي جديد أكثر شمولية وأكثر عدالة وأكثر قابلية للتجاوب مع التطورات الادارية والتوظيفية الصحية. هناك حاجة إلى شجاعة تعلن موت الكادر الصحي القائم والترحم عليه بما حوى من مساوئ واحباطات تعرضت لها بعض الفئات الصحية، وهناك حاجة إلى ابداع اداري خلاق في احداث كادر صحي جديد. بالطبع لا يتوقع مني ولا يمكنني العمل نيابة عن الآخرين في وضع تصور كامل للكادر الصحي خلال مقالة صحفية، لأن الموضوع يتطلب جهودا مشتركة ومشاركة تمثل جميع الفئات المستفيدة من الكادر الصحي، أطباء واداريين وصيادلة واختصاصيين وفنيين وغيرهم، ولكنني من خلال النقاط المذكورة أعلاه استنتج بعض الملاحظات حول أبرز النقاط التي هي بحاجة إلى تطوير أو تغيير جذري في الكادر الصحي وألخصها في الآتي:

أولاً: قضية بدل التفرغ هذه لم تعد مقبولة طالما يمكن للجميع العمل في العيادات الخاصة بالمؤسسة الصحية الحكومية أو الخاصة، وبالتالي أصبح من الأفضل إلغاء هذه الاشكالية التي سببت كثيرا من الشكوى والتذمر وليصبح مقابل التفرغ جزءا رئيسيا من الراتب.. لأن الواقع العملي يشير إلى انه لم يحصل إن وجد طبيب لا يتقاضى بدل التفرغ حتى أولئك الذين يعملون اداريين في وظائف غير مشمولة للكادر الصحي يتم التحايل بإعطائهم وظائف طبية وهمية أو باختراع ما يسمى بالتكليف لهم بالمهام الادارية ليبقوا تحت رعاية الكادر الصحي حتى وهم يؤدون عملا غير مشمول بالكادر…

ثانياً: لابد من وضع مستويات تسمح للطبيب أو الصيدلي أو الاختصاصي أو الفني بالتطور والانتقال من مستوى إلى آخر بناء على تحصيله العلمي والمهني، حالياً يتساوى خريج المعهد الصحي مع خريج الكلية الجامعية مع حامل الدكتوراه في بعض التخصصات ويتساوى طبيب الامتياز مع الاستشاري ولذا يصبح مطلوبا سلم يتدرج فيه العاملين من مستوى إلى آخر بشكل يراعي المؤهل والمستوى الدراسي والتدريبي..

ثالثاً: يصعب وضع الامتيازات بدقة بناءً على طبيعة العمل فليس جميع الأطباء أو الاختصاصيين أو الفنيين يتعرضون لنفس المستوى من الخطر أو المجهود البدني والنفسي نتيجة العمل، وبالتالي يمكن إعادة تصنيف البدلات الاضافية بناءً على معايير أكثر شمولية، فعلى سبيل المثال، مع ضرورة وضع خطوط تحت مثال، يمكن تصنيف طبيعة العمل الصحي إلى مهن تتطلب العمل في المساء والاجازات وخارج وقت العمل الرسمي، ويستحق العامل بها الحصول على درجة أو درجات أو بدل اضافي ضمن المستوى التوظيفي، وعمل يتطلب الاحتكاك المباشر مع المريض وبالتالي يحصل العامل بها بدل أو درجة أو درجات اضافية ضمن المستوى الوظيفي، ومهن ليس لها احتكاك مباشر بالمريض وتحصل على درجة أقل في الامتياز أو البدل أو الدرجة ضمن المستوى الوظيفي.. هنا سنجد أن من يحتك بالمرضى ويعمل بنظام المناوبات سيحصل على البدل الذي يستحقه ومن يعمل بنظام المناوبات سيأخذ ما يستحقه وفق نقاط توضع لطبيعة العمل حتى ولو لم يكن طبيباً.. وقد نجد طبيبيين في نفس المجال يوضع أحدهما في درجة أعلى بناء على طبيعة عمله والنقاط التي تنطبق عليه ولكنهما في نفس الوقت سيكونان في نفس المستوى.. هنا سنحاول تجنب الاسطوانة الجدلية من يستحق الكادر أو بدل التفرغ هل هو من يحتك بالمريض أم من يعمل بنظام المناوبات أو من يعمل بالمستشفى أو من يعمل بالمستوصف.. الخ.

رابعاً: من ضمن المميزات التي يحصل عليها بعض أطباء القطاعات الصحية العسكرية السكن وحوافز التدريب والدورات وغيرها، وهنا أراه من العدل ايجاد أو إعادة بدل السكن لجميع العاملين في القطاع الصحي لمن لا يوفر له سكن بالقطاع الذي يعمل به، وكذلك اقترح وضع ضوابط تطبق على الجميع في مجال الدورات والتدريب، بحيث يستحق المجتهد دوره خلال كل عام أو عامين تحدد مميزاتها بالحصول على راتب شهر مثلاً في حال اتمام الدورة، إذا كانت خارجية أو نصف شهر إذا كانت داخلية. الخ ويحصل الطبيب على فرصة دراسة التخصص في حالة اجتيازه اختبارات أو مستويات محددة.. يجب أن لا تترك هذه المميزات كما هو حاصل الآن لمزاجية الاداري أو ضغوط ميزانيات القطاع الصحي، بل يمكن جعلها ضمن حقوق الموظف الثابتة وضمن عقد العمل للموظف وربطها بوزارة الخدمة المدنية أو التعليم العالي تحت اشراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية التي تحث وتشرف على البرامج التعليمية والتدريبية في المجال الصحي. هذا الجانب مهم في القطاع الصحي لأن التدريب والالتحاق بالبرامج التدريبية مطلب أساسي للترقيات والانتقال من مسمى وظيفي إلى آخر بشكل يختلف عن غالبية القطاعات الوظيفية الأخرى التي يمكن الانتقال من مسمى وظيفي إلى آخر بناء على مدة الخدمة أو البقاء ضمن المسمى الوظيفي بشكل دائم مع تغير الراتب والمرتبة بناء على الخدمة.

خامساً: عمل الأطباء والاختصاصيين في العيادات الخاصة يجب أن توضع له معايير موحدة تطبق على جميع الجهات الحكومية الصحية بما في ذلك الجامعات والقطاعات العسكرية ووزارة الصحة، فما يحصل حالياً هو ازدواجية المعايير في هذا الشأن وتضارب النظام الصحي مع نظام أعضاء هيئة التدريس بالكليات الطبية في هذا الشأن.. فقد يكون مقبولاً حرمان المجتهد من دخل اضافي ولكن ذلك يجب أن يتم وفق ضوابط أكثر وضوحاً وعدالة..

اكتفي بتلك الملاحظات وأشدد على ضرورة الأخذ بآراء مختلف الفئات والقطاعات الصحية في مجال تطوير الكادر بحيث نصل إلى كادر لا يتحيز لفئة دون أخرى ويكون قابلا للنمو وقابلا لاستيعاب التطورات المستقبلية بشكل عادل وشامل. نحن ننشد تطور الخدمات الصحية المختلفة، وهذا لا يتفق مع الاصرار على التعامل مع الكادر الصحي التوظيفي وعدم تطويره أو تغييره بشكل جذري. بل انني اعتبر عدم تطوير نظام الكادر الصحي يشكل دلالة لا يمكن القفز عليها لما يعتري النظام الصحي من جمود، واستخدم مصطلح الجمود حتى لا أقسو باستخدام مصطلح التخلف أو التأخر، والجمود هنا ليس في كثرة الخدمات وزيادة الميزانية وتسديد الديون، فهذه أمور لا خلاف فيها، لها دوافعها الاقتصادية والاجتماعية ولا يفترض أن تخدعنا في قياس وتقييم التطور الذي نحرص عليه، وإنما الجمود في تطوير الأنظمة وفي الابداع الاداري التنظيمي الصحي، الذي يتعامل مع الصعوبات والتحديات بشكل جذري وفعال..

اقتراح صغير:

صدرت التوجيهات بمعاقبة الصيدلي الذي يصرف دواء دون وصفة طبية صادرة عن طبيب معترف به، وتمت الإشارة إلى الغرامة بمبلغ خمسة آلاف.. الاقتراح الذي أنقله هنا هو أتمنى ان تكتفي وزارة الصحة بمبلغ أربعة آلاف وان تخصص الألف الخامس لكل مواطن يبلغ بالإثباتات حصوله على دواء من الأدوية المحظور صرفها دون وصفة طبية. حينها لن نحتاج مراقبي وزارة الصحة في هذا الموضوع، لأنهم لن يكشفوا الكثير من تجاوزات الصيادلة في هذا المجال، دون تعاون المواطنين. هذا الاقتراح ورد من القارئ حمود الغامدي وهو يصر عليّ أن أطرحه للمعنيين دون (فلسفة) وتحليل مني كما طلب. هذا أنا طرحت الاقتراح ولن أطرح بقية تفاصيل المحاكمة التي نصبها القارئ حمود لطريقة ومضامين كتاباتي المختلفة..

أضف تعليق