* درجت بعض الكليات الطبية في حفلات التخرج التي تنظمها لطلابها، إلى تلاوة ما يعرف بالقسم الطبي على غرار ما يحدث في حفلات التخرج العسكرية، وفي ظل عنايتي بضرورات الأخلاقيات الطبية أو أخلاقيات مهنة الطب، لفت انتباهي هذا القسم ومدى تأثيره في مسيرة الطبيب الخريج وأبدأ بتتبع مصدر هذا القسم تاريخياً.
يعود القسم الطبي إلى ما يعرف بقسم ايبوقراط الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، ورغم التسمية فإن المصادر تشير إلى كون هذا القسم ظهر بعد وفاة ايبوقراط بما لا يقل عن مائة عام، وهناك مصادر تشير إلى كون هذا القسم ظهر متأخراً بأكثر من ذلك بكثير عن حياة ايبوقراط، ولكنه نسب إلى ايبوقراط كما نسبة أشياء كثيرة إلى مدرسة ايبوقراط، بل ان هناك من يعزو أصل القسم إلى فيثاغورس وليس ايبوقراط والملفت للانتباه في الخلفية التاريخية حول هذا القسم هو كونه أتى استجابة دينية، حيث يعتقد أنه كان نتيجة الصراع بين الاغريق والمسيحية، حيث انه لم يكن مجرد قسم على الالتزام بأصول المهنة وتعاليمها والمحافظة على أخلاقياتها، كما نعهده اليوم بل كان تحدياً لبعض المعتقدات الاغريقية في ذلك الوقت، ومما يميز قسم ايبوقراط أو فيثاغورس هو الولاء للمعلم إلى درجة أنه يفرض على التلميذ مساعدة معلمه في حالة حاجة المعلم المادية، كما أنه يعطي القوة للطبيب حتى أنه يتضمن ما يشير إلى الالتزام بأسرار المهنة الطبية وعدم اشاعتها للعامة من خارج المجتمع المتخصص ـ يبدو ان الأطباء منذ القدم يعاملون بشكل مميز ـ وهذا الاعتقاد بالذات يميز مدرسة فيثاغورس وظل يستخدم حتى قريب إلى درجة ان هناك مدرسة كانت ترى أنه يجب ان لا يكتب اسم الدواء أو تفاصيله على الدواء الممنوح للمريض بحجة ان ذلك قد يجعل أحدهم يعتقد بأن هذا الدواء مفيد لحالته المشابهة لحالة المريض، فيقوم باستخدام الدواء.. وهذا كما نرى يتعارض مع التوجه الحديث الذي يطالب بتثقيف المريض واطلاعه على التفاصيل المتعلقة بمرضه وعلاجه..!
ومن الملاحظات الغريبة أيضاً في قسم الهيبوقراطي الأصلي هو تحريم إجراء العمليات الجراحية من قبل الطبيب، ربما كان بسبب كون العمليات تسبب التلوث بالدم وهو ما كان يخالف بعض المعتقدات الدينية، والقسم لا يمنع العمليات ولكن يتركها لآخرين متمرسين في إجرائها وليس لأطباء مدرسة فيثاغورس.
في العصر الحديث لا زالت كثير من المدارس تبني على قسم فيثاغورس هذا من ناحية جعل المريض محور العمل الطبي حيث يقسم الطبيب على عمل ما في وسعه لخدمة المريض، حيث قامت الجمعية الأمريكية الطبية ومثلها البريطانية عام 1847م بتبني كود أخلاقي طبي جديد في شكله ولكنه يبنى على القسم القديم وإن كان أضيف إليه فقرات تتعلق بمسؤوليات الطبيب تجاه المجتمع وهو مالم يكن موجوداً في القسم القديم، وقد تبني تطوير هذا الكود جماعات من الاورثودوكس الذين نقحوه من الاعتقادات الاغريقية، حيث كان القسم يشمل القسم بالآلهة الاغريقية أبولو واخليوس وغيرهم، وهو ما استبدلته الديانات الأخرى لاحقاً حسب معتقداتها.
في عام 1948م أصدرت منظمة الصحة العالمية بعد الحرب العالمية الثانية ما عرف ببيان جنيف لأخلاقيات ممارسة المهنة الطبية، وقد بني على قسم فيثاغورس أو ايبوقراط مع تنقيته من المرجعية الدينية الاغريقية، ومنذ ذلك الحين وقسم ايبوقراط في لغته وشكله الجديد هو المرجع للقسم الطبي في العرف الطبي العالمي، حيث نجد بعض الكليات الطبية لا زالت تفرض ذلك القسم على طلابها عند التخرج، ولا زالت نصف جامعات أمريكا وكندا تقريباً تستخدم ذلك القسم في حفلات تخرج الأطباء، وهناك جامعة واحدة في نيوورك سيركوس لا زالت تستخدم القسم الايبوقراطي القديم (عام 1997م).
في الدول الأخرى أو الديانات الأخرى نجد ذلك القسم ظل الأساس ولكن بتطويره ليتلاءم مع المرجعية الدينية والايدولوجية، فنجد القسم في روسيا يأخذ الماركسية أو الشيوعية كمرجعية يقسم عليها وفي الصينية نجد الكونفوشية هي المرجعية التي يقسم عليها.. في الدول الإسلامية ليس هناك مرجعية واحدة وأبرز جهد عمل في هذا الشأن ما صدر عن الجمعية العالمية للطب الإسلامي بالكويت عام 1981م حيث المبادئ الإسلامية تحرم القتل حتى ولو كان للمرضى الميؤوس من شفائهم وتحرم الاجهاض، ولست أعلم إن كانت الكليات الطبية الإسلامية تلتزم بتلاوة القسم الطبي الإسلامي في حفلات تخرج طلابها أم أنه مجرد مرجعية فلسفية وعلمية للممارسة الطبية في الإسلام، بعض الكليات الطبية السعودية تتضمن حفلات التخرج بها تلاوة القسم الطبي ولكن ليس لديّ معلومات تفصيلية عن مرجعية القسم المستخدم، ولكن المؤكد أنها ستحرص على المرجعية الإسلامية في الممارسة الطبية.
طبعاً هناك القسم وهناك المبادئ أو الكود الأخلاقي للممارسة الطبية ونحن لم نفصلها كثيراً هنا، ولكن يجدر بنا الإشارة إلى ان أبرز التغيرات التي كسرت مبادئ ايبوقراط حدثت بعد الحرب العالمية الثانية حيث بدأت التساؤلات حول ممارسات الأطباء الألمان أثناء وبعد الحرب، فالقسم يفرض عدم الاضرار بالمريض ولكن أولئك الأطباء مارسوا بعض أنواع البحث والتجارب الطبية في الأسرى ومصابي الحرب من الأعداء التي تؤدي إلى الإضرار بالمريض، على اعتبار جواز ذلك في حالة الحرب، وهنا برز التساؤل عن أخلاقيات البحث الطبي وهل يجوز إجراؤه على المريض حتى في ظل احتمالية ضرره بالمريض، وهل يجوز تجريب تركيبات جديدة من الأدوية على المريض.. إلخ وأدت هذه التساؤلات إلى ظهور بيان نوريمبريج عام 1946م وفيه نقلة جديدة لم تشهدها مبادئ ايبوقراط طيلة 2500عام، ألاّ وهي ظهور وثيقة أخلاقيات الممارسة الطبية التي من ضمنها لأول مرة ضرورة اطلاع المريض على ما يراد اتخاذه من ممارسة علاجيه وأخذ موافقته عليها سواء كانت متعلقة بالبحث أو حتى مجرد إجراء عملية بسيطة، بمعنى أنه لم يعد الطبيب هو المتفرد باتخاذ القرار وتطبيقه دون اطلاع المريض أو أخذ موافقته على نوعية الإجراء الطبي، وأعقب ذلك ظهور وثيقة حقوق المريض التي تبنتها منظمة المستشفيات الأمريكية عام 1973م ومن ثم مبادئ المنظمة الأمريكية الطبية للممارسة الطبية عام 1980م وفيها وضحت حقوق المريض واستخدت فيها مصطلحات قانونية تجيز للمريض مقاضاة طبيبه عند الاضرار بحقوقه المنصوص عليها في وثيقة الممارسة الطبية، وهذا لم يكن موجوداً في القسم الطبي (قسم ايبوقراط)، بل ان الأهم في تلك المبادئ هو أنها بنيت على مبادئ قانونية وعلمية وليست دينية، وبالتالي فتفاصيلها يحتكم فيها إلى المرجعية القانونية والمهنية بالدرجة الأساسية.
لقد كان هدفي الأساسي في المقال التطرق إلى أخلاقيات الممارسة الطبية والبحثية الطبية والبيولوجية في المملكة، والمرجعية المحتكم إليها في تحديد الخطأ الطبي أو الخطأ البحثي، ولكن البحث في الموضوع قادني إلى تلك المعلومات التاريخية عن القسم الطبي وأخلاقيات الممارسة الطبية وفي المملكة هناك لجنة تابعة لوزارة الصحة تعنى بمتابعة الخطأ الطبي في الممارسة الطبية في الطب البشري والصيدلة، وعادة ما يكون لها الدور في تحديد الخطأ الطبي ونوعية العقاب المقترح، ويحكم مرجعيتنا الإسلامية فتلك اللجنة تحوي من ضمن أعضائها خبراء في الشريعة (قاضي شرعي) وليس هناك من شك في حرص القائمين على تلك اللجنة على احقاق الحق وتبيان الخطأ الطبي ولكن السؤال الذي يطرح هنا، هل هناك مبادئ للمارسة الطبية حديثة بالمملكة يتم نشرها وتعليمها للممارسين للمهن الطبية والصيدلية بالمملكة، سواء كانوا طلاباً أو ممارسين، مواطنين أو غير مواطنين؟
عندما يأتي طبيب هندي أو أمريكي أو مصري للعمل في المملكة، ما هي المرجعية التي يعتمدها للمارسة الطبية في المملكة؟ هل يمارس كل طبيب المهنة بناء على مرجعيته الأساسية دينية كانت أو اجتماعية أو تعليمية؟
أتصور الممارسة الطبية بالمملكة عبارة عن (كشكول) كل يعمل وفق مرجعية مختلفة، وليس المطلوب إعادة الجميع إلى مقاعد الدرس ليتعلموا نظام الممارسة الطبي السعودي ولكن يفترض على الأقل ان يتم طبع مبادئ الممارسة الطبية في صفحات قليلة يتم توفيرها لكل ممارس جديد للمهنة الطبية والصيدلية بالمملكة، ولتتضمن امتحانات المعادلة التي تجريها الهيئة السعودية للتخصصات الصحية شيئاً من هذه المبادئ.
أما بالنسبة للبحث الطبي والبيولوجي فهناك وثيقة هيلسنكي العالمية التي تبنتها منظمة الصحة العالمية، وتعتبر وثيقة مرشدة لأخلاقيات البحث الطبي، ولكن بكل أسف لا تطبق مبادئ تلك الوثيقة في جامعاتنا العريقة بكلياتها الطبية والعلمية ولا يوجد لوائح واضحة في جامعاتنا تحافظ على حقوق المريض وحقوق الإنسان المشارك في البحث العلمي بصفة عامة والحيوان، فهناك أطباء كثيرون بكليات الطب والعلوم والصيدلة السعودية يمارسون بحوثاً طبية على الإنسان مريضاً كان أو سليماً دون إعلامه بذلك، وهناك أطباء يجربون أدوية أو عمليات أو تقنيات جديدة دون أخذ الموافقة من لجان بحث أخلاقية تتأكد من عدم الاضرار بالإنسان والحيوان والبيئة، والغريب أنه يتم نشر تلك البحوث في مجلات سعودية أو خارجية وتتم ترقية الأساتذة دون السؤال عن مدى مواءمة الخطوات المتبعة في البحث العلمي مع أخلاقيات المهنة ودون اثبات ما يدل على موافقة المريض على المشاركة في تلك البحوث.. ترى هل كنا سنرى كثيرا من الأخطاء الطبية بالذات في المستشفيات الجامعية الناتجة عن محاولة التجريب والبحث والتأليف (طبعاً هم في الغالب ينسبون الخطأ للتقدير ولا يعلنون حقيقة الدافع التجريبي وراءه)..؟!
وحتى لا نغفل بعض الجهود في هذا الشأن فإن مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث ربما يكون الجهة الوحيدة التي لديها لجنة تعرف بلجنة أخلاقيات البحث تتولى إجازة إجراء البحوث المتعلقة بالإنسان والحيوان بعد التأكد من عدم اضرارها ومخالفتها للأخلاقيات التي تحافظ على حقوق المريض والمشارك في البحث، أما جامعاتنا التي يفترض ان تكون الرائدة في هذا المجال ولدى كل منها وكيل وزارة معني بالبحث العلمي ومجالس علمية ومراكز أبحاث متعددة، فإنها غائبة في هذا الشأن، وكأن المجالس ووكالات الجامعة للبحث العلمي مجرد ديكور إداري مهمته متابعة إجراءات الترقية لعضو هيئة التدريس وتبرير بعض الإجراءات الإدارية، بعيداً عن تشريع القوانين ووضع اللوائح والحفاظ على مصداقية البحث العلمي الذي لا يتسبب في الاضرار المحتمل بالبيئة والحيوان والإنسان.