العلوم الصحيه: التعثر الدائم!

لايخفى بأن هناك توجهاً كبيراً في المملكة نحو التوسع في التعليم الصحي والطبي بصفة عامة، وفي التخصصات الصحية المساعدة والتطبيقية بصفة خاصة، فخلال سنوات قليلة أنشئت أو أقر إنشاء عدد من الكليات الطبية التطبيقية التابعة للجامعات كما توسعت الكليات الصحية التابعة لوزارة الصحة وكذلك المعاهد الخاصة والأهلية المعنية بهذا المجال، حتى أصبح لدينا ما لا يقل عن عشرين كلية للعلوم الصحية المساعدة أو التطبيقية وأكثر من ذلك العدد لدينا معاهد تعنى بالتعليم الصحي المساعد، إضافة إلى التوسع الحاصل لدى كثير من المنشآت الصحية في برامج التدريب للفئات الصحية المساعدة. هذا التوسع والتسارع في التعليم والتدريب الصحي التطبيقي والمساعد قاد ويقود إلى تحديات كبيرة تتطلب التعاون وتبادل الخبرات بين القائمين على هذا النوع من التعليم بما يهدف إلى تطوير العملية التدريبية والتعليمية في المجالات الصحية المساعدة والتطبيقية.

سأحاول هنا فتح ملف التعليم الصحي المساعد، وكالمعتاد آمل أن يسهم ذلك في فتح حوار يسهم في تطوير تجربة التعليم الصحي في المملكة. سابدأ بالكتابة عن كلية العلوم الطبية بجامعة الملك سعود..

أنشئت أول كلية علوم طبية تطبقية بالمملكة قبل ثلاثين عاماً تقريباً، بجامعة الملك سعود بالرياض، وكان مسماها في البداية كلية العلوم الطبية المساعدة، قبل أن يتم تغيير المسمى إلى كلية العلوم الطبية التطبيقية، ولإنشائها قصة يرويها أحد مؤسسيها، بأن إدارة الجامعة لم يكن لديها معرفة كافية ومتخصصة في مجالات الكلية الوليدة بصفتها الأولى من نوعها، ولذلك رؤي أن يوضع لها مقر مؤقت بعليشة، حتى تنضج فكرتها بشكل أكبر وتعرف احتياجاتها بشكل أدق، وحينها يمكن إيجاد مقر رئيسي وتحويل المقر المؤقت إلى مقر معهد أو مقر طالبات.. بل كان هناك شك في نجاح كلية للعلوم الصحية، والبعض كان يرى عدم حاجة التخصصات الطبية المساعدة إلى كلية بل يكفي معهد صحي.. ثلاثون عاماً مرت وحتى الآن لم يوجد مقر دائم لكلية العلوم الطبية التطبيقية بجامعة الملك سعود.

موضوع تعثر كلية العلوم الطبية التطبيقية بجامعة الملك سعود لم يكن فقط في المبنى بل امتد لأعضاء هيئة التدريس، فحتى الآن وبعد ثلاثين عاماً لازال عميد الكلية من خارج أبنائها، خريجيها. طبعاً أحترم عميد الكلية الحالي لشخصه الكريم، لكنني أطرح دلالات تاريخية لتعثر التعليم الصحي المساعد بالجامعات. لماذا يحدث هذا؟ لأن الجامعة لم تحرص على تأهيل كوادر وطنية في تخصصات العلوم الطبية التطبيقية بالشكل الكافي، ولأنها لم تعط الثقة لأهل التخصص لإدارة كليتهم، ولأن العلوم الطبية ظلت مهملة ولم تفهم طبيعة تخصصاتها من قبل إدارة الجامعة. هذا الإهمال لا يعفي منسوبي الكلية السعوديين وعددهم قليل جداً من تحمل نسبة كبيرة في هذا التردي الذي حظيت به هذه الكلية بسبب سلبيتهم وأحياناً انشغالاتهم عن كليتهم. هل يعقل أن تمر ثلاثون عاماً لم تخرج هذه الكلية من هو بقادر على إدارتها مما يضطر الجامعة للاستعانة بأعضاء هيئة تدريس من كليات أخرى لإدارة هذه الكلية؟ ثلاثة عقود من الزمن ونسبة أعضاء هيئة التدريس حملة الدكتوراه الوطنيين بالكلية لا تزل متواضعة جداً، جداً!

ذلك عن تطور الكلية أما المخرجات فهي متواضعة في غالبية التخصصات، من الناحية النوعية، حيث تم التعامل مع الكلية ككلية نظرية ولم تفهم طبيعة التخصصات الصحية التي تتطلب التدريب والتدريب العملي والسريري المكثف، حيث تخصصاتها تقنية تطبيقية عملية وليست تنظيرية.. ما هو دليلي على تواضع مخرجات الكلية في غالبية أقسامها؟ الدليل هو أن غالبية المستشفيات الكبرى (التخصصي، العسكري، الحرس الوطني، مدينة الملك فهد الطبية، مدينة الأمير سلطان للخدمات الإنسانية) لاتعترف بخريجي الكلية كمؤهلين للممارسة الأكلينيكية فهي وإن أعطتهم مسميات الإخصائيين فإنها تقدم لهم برامج مكثفة تتراوح مابين العام والعامين ( بعد مرحلة التدريب أو مايعرف بالامتياز) لتأهيلهم كأخصائيين قادرين على تولي مهامهم التي يفترض توليهم إياها مباشرة بعد إنهاء البرنامج الأكاديمي. بالكلية. بمعنى آخر كلية العلوم الطبية التطبيقية بجامعة الملك سعود تمنح شهادة لا تؤهل حاملها للعمل كاختصاصي في مجال تخصصة، حسب رؤية المستشفيات الكبيرة بالمملكة..

بقي أن أجيب على السؤال: لماذا التركيز على جامعة الملك سعود؟ لأنها الجامعة الأم وهي تقدم نموذجاً ناضجاً في هذا الشأن…

أضف تعليق