الرقابة الاجتماعية والكتابة النقدية

عندما يكتب الكاتب فإنه يطرح وجهة نظر في موضوع محدد يتمنى أن يجد صداه وأن يتقبله القارىء بحسن نية لاتزاود على محتواه أو تبحث عن معانٍ لم ترد فيه أو في ذهن كاتبه. هذا على الأقل بعض ما أتمناه شخصياً في كتاباتي ولكن يؤلمني أن هناك من “يقولني” مالم أكتبه، ويزعجني أن تصبح تفسيرات الآخرين الضيقة سيفاً مسلطاً على الكاتب. ربما يصنفني البعض بأنني أمتلك حساسية غير مبررة تجاه تجاوزات وتفسيرات الآخر غير الموضوعية وبأنني لم أدرك بأن من شروط الكتابة الاستعداد لتقبل مختلف التأويلات والتفسيرات الممكنة. لن أدافع لكن أستميح القراء عذراً في جعل هذا المقال أشبه بالبوح أو الشكوى، بطرح أمثلة لمعاناتي، والتي أتوقع أنها معاناة غيري من الكتاب، المعنيين بالكتابة ذات الطبيعة النقدية…

عندما أكتب وجهة نظر في موضوع محدد أجد من يحاول تغيير مسار الموضوع أو تأويله بشكل يوحي بأن شخصاً معادياً للإدارة أو الإداري ذو العلاقة بالموضوع. هذا يزعجني لأنه يقيد حريتي في الكتابة والتعبير بشفافية كافية ويجعلني أكثر حساسية في تناول المواضيع المختلفة، ليس خوفاً من الأشخاص وسلطاتهم الإدارية وإنما رغبة في أن لا تتحول الكتابة إلى وسيلة عداء ونزاع مع الآخر…

الأمر الآخر الذي يزعج في بعض الحالات هو عدم التفريق بين صفتي الكتابية وبين مهامي العملية والمهنية، فعلى سبيل المثال تجد إحدى الجهات ترفض التعاون في مجال تدريب طلابي لأنها تنظر لشخصي بطريقة عدائية وليس لأنها لاتملك الإمكانات التدريبية. هذا يدفعني للحذر في الكتابة في بعض المواضيع ذات العلاقة بعملي حتى لا أتسبب في الإضرار بمصالح الجهة التي أعمل بها، أو بالأشخاص الذين أخدمهم كالطلاب والمرضى، رغم أنه يفترض انني أكثر خبرة بمجال تخصصي وعملي وبالتالي سيكون ما أطرحه في هذا الشأن أكثر موضوعية… للأسف هذا الحذر أحياناً يمتد حتى للأقارب والأصدقاء، فعندما تكتب عن القطاع الذي يعمل به أخوك يفسر الآخرون ذلك بأنك تنقل وجهة نظر أخيك وبالتالي فهو معرض للإتهام أو الغضب أو الحذر من قبل الإدارة التي يعمل بها…

لاتعتبر الكتابة مهنة رئيسية بالنسبة لي وإنما هواية محببة، أعتز بها وبما تضيفه لي من رصيد اجتماعي وفكري، لكنء لكل مقام مقال والبعض، حتى من الاصدقاء، يخلط بين هوايتي ككاتب هاو وبين مهامي وصفاتي العلمية والمهنية، فتجده يقدمني في اجتماع عمل أو اجتماع علمي بصفتي ككاتب صحفي، أو كصحفي رغم أنني لست صحفياً، وليس بصفتي المهنية والعلمية. مصدر الازعاج هنا هو تحويل مسار الحديث والتفكير بالنسبة للطرف المقابل من محوره المهني أو الإداري أو العلمي إلى المحور الكتابي والصحافي وهو محور يدخلني في نقاشات واستعراضات متشعبة اتمنى أن أحتفظ بها للمقام المناسب لها…

إنني أطرح هذه الأمثلة ليس للاستعراض أو لتقمص دور الضحية ولكن للدلالة على بعض الضغوط الاجتماعية التي يواجهها الكاتب وكيف أن الرقابة الإدارية أو الإعلامية أو التحريرية ليس هي فقط مايعيق حريتنا في التعبير وإنما هناك ضغوط أخرى ملموسة وغير ملموسة تحد من رغبتنا في البوح بشفافية وجرأة ووضوح.

السؤال الأخير لزملائي الكتاب هل أنا الوحيد الذي تقلقه هذه الأمور؟ كيف نصمد أمام تلك الضغوط الاجتماعية؟

أضف تعليق