الخطأ الطبي ليس سببه رواتب الأطباء فقط!

قبل فترة صرَّح معالي وزير الصحة بأن الأخطاء الطبية مصدرها ضعف رواتب الأطباء، وهو يعني بأن الوزارة مضطرة للتعاقد مع أطباء دون المستوى بسبب تدني مستوى الرواتب التي تمنحها لأطبائها، ويُعتبر أمراً محموداً لوزير الصحة محاولته السعي نحو تحسين أوضاع الأطباء بوزارة الصحة من الناحية المادية. نحن نؤيد مساعي معالي الوزير في هذا الشأن، لكننا نتحفظ على حكمه وتعميمه بأن ضعف رواتب الأطباء هو السبب الرئيسي لحدوث الأخطاء الطبية، وبالتالي محاولة تبرئة القطاع الصحي والرمي باللائمة على الجهات المعنية بتحديد الرواتب.

العملية الطبية الحديثة ليست مجرد طبيب بل هي نظام صحي متكامل يشمل ضمن فئاته العنصر الإداري والعنصر الفني المساند والعنصر الطبي، كما يشمل تركيبة النظام وطريقة عمله وأدائه، فليس لنا أن نقول بأن الطبيب هو السبب الرئيسي في الخطأ الطبي في ظل ضعف النظام الإداري والفني المساند له، وفي ظل عدم توفر الأساسيات التموينية الرئيسية المطلوبة للممارسة الصحية المناسبة، فنحن نعلم بأن عدم توفر الفريق التمريضي المناسب، والكفؤ في غرفة العمليات لا يساعد الطبيب في أداء العملية بالشكل الأمثل، عدم توفر أدوات وأساليب النظافة والتعقيم لا يساعد الطبيب على إنجاح العمليات التي يجريها بالشكل الكافي، عدم وضوح سجل المريض الطبي لا يساعد الطبيب على الوصول إلى التشخيص بالشكل المناسب وفي الوقت المناسب وعدم وجود اخصائى قياس سمع متمكن لا يساعد الطبيب عليتشخيص حالة السمع لدى المريض بشكل دقيق.. إلخ فكيف تختزل الممارسة الصحية لتكون الطبيب فقط، ثم تحديداً راتب الطبيب؟ هل لدى وزارة الصحة إحصائية بالأخطاء الطبية ومسبباتها والمتسببين فيها تبين أن الأخطاء الطبية مصدرها فقط الأطباء ذوي الرواتب الضعيفة؟

من تجربة شخصية عملت بقطاعين صحيين مختلفين واستطيع القول بأن الفرق الرئيسي هو ليس في رواتب الأطباء وإنما في وجود النظام وتطبيق أبجديات العمل الصحي المؤمن بتكامل الأدوار الإدارية والطبية والتموينية والفنية والتمريضية وغيرها، ففي النظام الجيد يبني الطبيب قراره التشخيصي بناءً على معلومات واضحة ودقيقة من الجهات التشخيصية، من مختبرات وأشعة وغيرها، وحين يدخل غرفة العمليات يكون تركيزه على العمل الجراحي لأنه مطمئن لوجود طاقم التخدير المناسب ووجود طاقم التمريض المناسب ووجود أدوات التعقيم والجراحة المناسبة، وحين يخرج من غرفة العمليات يكون مطمئناً لوجود جهاز تمريضي وتأهيلي قادر على إكمال الدور الجراحي الذي قام به، وهذا مالا يجده الطبيب في بعض القطاعات ومن بينها وزارة الصحة، حيث يعاني القطاع من فوضى تنظيمية وإدارية، ومن نقص نوعي شديد في الكوادر المساعدة للطبيب ومن نقص في توفير المواد الأساسية ومن ضعف في تكامل الأدوار ووضوحها بين مختلف أعضاء الفريق الصحي، وبالتالي تكون الحقيقة المؤلمة هي أن الطبيب يضطر للأخذ بالشبهة في مجال التشخيص بدلاً من البحث عن الدقة ويضطر أن يجري عمليات في ظروف غير مثالية ويضطر أن يتنازل عن متابعة المريض لعدم توفر الكوادر المتخصصة المناسبة، وفي حالة حماسه وحرصه سيجد أمامه كثيراً من العقبات وسيجد نفسه مضطراً لتأدية كثير من المهام الروتينية التي يفترض أن تؤدى عن طريق آخرين.

أكبر خطأ يحدث حالياً في مجال الأخطاء الطبية ومعالجتها هو التركيز على الطبيب فقط وترك بقية الفريق الطبي من إداريين وفنيين في معزل عن المحاسبة والتقييم، رغم أنه يمكن تلافي كثير من الأخطاء لو قام الإداري بواجبه نحو دعم الفريق الطبي بكل احتياجاته التنظيمية والتموينية ولو قام الفريق المساند بكامل أدواره بكفاءة.

همسة أخيرة: أتمنى بأن يتذكر الطبيب حين يستلم منصباً إدارياً بأنه قد أصبح قائداً إدارياً للمنظومة الصحية بكافة عناصرها الإدارية والاقتصادية والصحية والاجتماعية وعلى هذا المستوى يجب أن يتجاوز التفكير كطبيب فقط، والدفاع عن الطبيب فقط، والحساب للطبيب فقط، متجاهلاً بقية المنظومة الصحية التي هو معني بقيادتها..!

أضف تعليق