الخدمات الصحية بالحرس: حتى لا يكون العزف منفرداً

    هل أصبح الفكر الإداري منصباً على منافسة الآخرين في تبني كل خدمة تبرز إعلامياً بغض النظر عن مدى تكاملها مع الخدمات الأخرى؟ هل ينظر القائمون على الخدمات الصحية بالحرس الوطن على أنها خدمات مستقلة لا يعنيها قراءة ما يحدث من صعوبات اقتصادية وإدارية تعاني منها الخدمات الصحية الأخرى؟

في مقال سابق تحت عنوان “لقاء صحي يستحق القراءة” كتبت عن لقاء تم مع مدير الشؤون الصحية بالحرس الوطني، محتفلاً بكثير من الآراء التي طرحت في ذلك اللقاء، ومن ضمنها ما كرره معاليه بأن الاشكالية الرئيسية في الخدمات الصحية ليست بالضرورة مادية بقدر ما هي ادارية، وأعود اليوم للكتابة ليس عن ذلك اللقاء وانما عن الخدمات الصحية بالحرس الوطني، وأمهد لذلك بوضع قاعدتين رئيسيتين، تحكم ما سأطرحه في هذا المقال:

أولاً: أنا لا أكتب عن الخدمات الصحية بالحرس الوطني من مفهوم تقييمي لها بشكل منفرد، وإنما من مفهوم شامل يسائل عن موقعها وتكاملها ضمن ومع بقية منظومة الخدمات الصحية ببلادنا، وبالذات الحكومية منها.

ثانياً: وإن كانت الخدمات الصحية بالحرس الوطني إدارة ذات مرجعية ادارية مختلفة عن بقية القطاعات الصحية الرئيسية في البلاد، إلا انها تظل حكومية في ميزانيتها ونظمها الادارية الرئيسية وتتقاضى ميزانيتها مثلها مثل القطاعات الصحية الحكومية الاخرى عن طريق وزارة المالية، وهذا يجعلها عرضة للنقد والمقارنة ببقية القطاعات الصحية الحكومية المشتركة معها في المرجعية المالية.

حينما يأتي التساؤل عن تطور الخدمات الصحية بالحرس الوطني وفلسفتها الادارية، فإنه ودون مبالغة يمكن القول بوجود تقدم مذهل في كثير من الخدمات الصحية بالحرس الوطني، نراه في برامج زراعة الكبد وعلاج الاورام وفي اجراء العمليات النادرة، وغيرها من التوجهات التي نجزم بأن بلادنا تحتاج كل ذلك وتحتاج أكثر، ولكن مهلاً أنا لن أناقش الاحتياجات هنا والايجابيات المنعزلة او المنفردة لتلك الخطوات، وإنما أناقش مكانها ضمن خارطة الخدمات الصحية على المستوى الوطني والفلسفة الادارية التي تسير عليها القطاعات الصحية لدينا، وفق القاعدتين أعلاه، وعلى اعتبار الخدمات الصحية بالحرس الوطني نموذجاً يستحق أن يقرأ، بشكل أعمق من مجرد التباهي الإعلامي السطحي بالمنجزات..

لنأخذ مثالا لتلك الخدمات المكلفة والمشهورة إعلامياً، برنامج زراعة الكبد الذي تبناه مستشفى الملك فهد للحرس الوطني بالرياض، أو مدينة الملك عبدالعزيز الطبية بالحرس الوطني بالرياض، على أي أساس أقيم ذلك المركز؟ على أساس الاحتياج، هذه اجابة مقبولة في ظاهرها ولكن في السياق الوطني والاقتصادي وعلى اعتبار ضرورة تكامل الخدمات الصحية ببلادنا، نعيد صياغة السؤال لتتجاوز مجرد الاحتياج الظاهري: هل يوجد مراكز مماثلة تديرها قطاعات صحية محلية أخرى؟ وهل تلك البرامج عاجزة عن الوفاء بالاحتياج وبالتالي نحن بحاجة الى مراكز جديدة؟

الاجابة نعم على بعد عدة كيلو مترات من مستشفى الملك فهد يقع مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث ولديه تجربة في زراعة الكبد تسبق تجربة الخدمات الصحية بالحرس الوطني، فهل كان مستشفى الملك فيصل التخصصي عاجزا عن الوفاء بالاحتياج وكنا بحاجة الى انشاء مركز آخر بالقرب منه؟ نحن لا نتكلم عن عيادات عامة متواضعة وإنما مراكز مكلفة لا تعمل بكامل طاقتها وقدراتها، ليس عيباً فيها ولكن لأنها تعتمد على التبرعات وعدد المتبرعين قليل في مجال الكبد وغيرها من الأعضاء، نحن نتكلم عن مراكز تكلفة تشغيلها والهدر الاقتصادي الحاصل بها ربما تكفي لتشغيل مركز رعاية أولية متميز نحن بحاجة اليه، او برنامج وقاية وطني قد يسهم في الوقاية من أمراض الكبد أكثر مما تسهم به مراكز زراعة الكبد الممتدة على شارع واحدة في مستشفيات الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث ومستشفى القوات المسلحة ومستشفى الملك فهد للحرس الوطني.. لنفترض أن هناك قصورا في خدمات مركز الكبد الأول، بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث أليس أسهل وأقل تكلفة تدعيمه ومناقشة مسببات قصوره وبالتالي تطويره إن احتاج الأمر بدلاً من انشاء مراكز جديدة؟

هذا مثال في الخدمات الصحية يقودني إلى السؤال عن الفلسفة الإدارية التي تدار بها القطاعات الصحية الحكومية، هل هي فلسفة تنافسية، لا يعنيها المنظور الوطني الشامل للخدمات الصحية؟ هل هي فلسفة إعلامية بمعنى انه كلما برز نوع من العمليات أو سلط عليه الإعلام الضوء سارعنا بتبنيه لينالنا ضوء إعلامي مثله؟ هل هي مسألة تنافس شخصي بين قادة القطاعات الصحية المختلفة؟ هل الخدمات الصحية عملية تجارية بحتة نديرها وفق طريقتنا التجارية الارتجالية، حيث ما أن تنجح محطة وقود بأحد الشوارع حتى نرى الشارع يعج بمحطات أخرى؟ آمل أن لا يعترض أحدهم بأن المرضى كثر والاحتياج يزداد للخدمات الصحية، فهذا السبب تحديداً هو ما يجعلنا نطالب بالتكامل في الخدمات الصحية وبالذات الحكومية والبعد عن التنافس السطحي الذي ينبىء بأننا نقود قطاعاتنا الصحية كما ندير محطات الوقود، لأنه من الأولى ايجاد مراكز متقدمة في علاج أمراض الكبد والأعصاب والعظام والكلى والأطفال وغيرها بدلاً من التركيز على تخصص ومجال واحد واهمال تخصصات أخرى نحن بحاجة الى تطويرها وبحاجة الى خدماتها المتقدمة..

بكل أسف لقد امتد التنافس وطريقة إدارة كل مرفق صحي كهيئة مستقلة لا علاقة لها ببقية المؤسسات الصحية الأخرى، الى (المزاودة) في مجال الكوادر البشرية، والوصول الى خلل واضح في مجال عمل الأطباء وعدالة معاملتهم في الراتب وفي العمل الخاص وفي البدلات وغيرها.. تنافس للأسف الشواهد فيه كثيرة وشمل حتى العناصر الأجنبية التي وجدت في هذا التنافس فرصة لها للانتقال من قطاع صحي حكومي الى قطاع صحي حكومي آخر وفقاً لمبدأ من يدفع أكثر، بشكل يخجلنا حينما يضحك الآخرون منا ومن مفهومنا لمعنى التنافس والتكامل في خدمة حكومية ذات مرجع مالي واحد وليست خدمة تجارية خاصة يديرها صاحبها كيف يشاء..

مؤخراً قرأنا عن توجه الخدمات الصحية بالحرس الوطني الى انشاء كلية طب، ومرة أخرى نحن بحاجة الى كليات طب عديدة، وبحاجة الى أعداد كبيرة من الأطباء، ولكن لماذا تتبنى الخدمات الصحية مثل تلك الخطوة؟ أهي لمجرد منافسة مستشفى آخر أعلن نفس التوجه؟ من المؤسف أن تصد الابواب في وجه الكليات الطبية بجامعة الملك سعود في مجال التدريب والدعم ونتجه الى انشاء كليات جديدة.. لماذا لا تدعم الكليات الطبية بجامعة الملك سعود ويرحب بها بشكل أكبر للاستفادة من امكانيات مستشفيات الحرس الوطني وغيرها من المستشفيات وبالتالي زيادة أعداد طلابها وزيادة كفاءتها بدلاً من تبني انشاء كلية جديدة تزاحمها وتحصرها في مستشفى الملك خالد او الشميسي فقط؟ الكلية الطبية ليست مجرد مستشفى وبالتالي فإن افتتاحها سيكون مكلفا وستكرر خدمات موجودة بالجامعة حالياً. لا أعتقد أن الرسوم الدراسية هي الاغراء الذي يدفع الحرس الوطني لتبني انشاء كلية طب جديدة، وحتى لو كان ذلك فجامعة الملك سعود أولى بتلك الرسوم طالما سيضمن ذلك زيادة أعداد طلابها وامكاناتها، وفي النهاية هي والخدمات الصحية بالحرس عينان في رأس وما يصب في مصلحة أحدهما يصب بالتأكيد في مصلحة الوطن..

مستشفيات الحرس الوطني معروف عنها تعاقدها مع أفضل الخبرات والكفاءات، وهذا يجعل البعض يجزم بقدراتها في تبني قيام كلية طب، ولكن هذا تصور ليس دقيقا لأن تلك الكفاءات المتخصصة والمتقدمة في العلم والتخصص والخبرات تكون الاستفادة منها أكبر لو وظفت بالشكل الصحيح في مجال تقديم برامج تدريبية عليا متخصصة وحقيقة، تستفيد منها ليس فقط مستشفيات الحرس الوطني بل بقية مستشفيات المملكة ذات الامكانات الأقل، حيث طلاب البكالوريوس في الطب بحاجة الى تخصصات عامة وليست دقيقة كتلك التي يحملها استشاريو مستشفيات الحرس الوطني؟ إذا كانت الخدمات الصحية بالحرس الوطني وغيره من القطاعات تبحث عن الاسهام في تدريب الكوادر الوطنية فإن السؤال الأولى بالطرح كم عدد الذين يتم ابتعاثهم لأجل الحصول على التخصص العام او الدقيق في تخصصات يعمل بها استشاريون يتقاضى غالبيتهم عشرات الآلاف شهرياً؟

أتمنى أن لا تسمح وزارة التعليم العالي بانشاء أية كلية طب بأية مستشفى كان، سواء التخصصي او الحرس او غيرها.. هذا التمني لا يمنع أن يصبح أحد تلك المستشفيات مستشفى تعليمياً لكلية طب سواء من الكليات القائمة او التي يمكن ان تقوم تحت مظلة جامعات وكليات معترف بها أكاديمياً ومهنياً من قبل وزارة التعليم العالي.. يجب ان نفكر في المستقبل ونتعظ مما حدث بالقطاعات التي تبنت ادارة كليات تابعة لها في أوقات سابقة، بحجج الاحتياج التي تتكرر الآن في المجال الطبي.. لنسأل وزارة المعارف ووزارة الصحة وغيرهما عن تجربتها في ادارة الكليات جنباً الى جنب مع تقديم الخدمات. الطب بالتأكيد مهنة أكثر حساسية ويجب أن ينظر الى التوعية فيه قبل الكمية، النوعية التي تتطلب تركيز المستشفيات على تقديم الخدمات الصحية والتدريب على رأس العمل وليس التشتت في خدمات تعليمية أساسية وخدمات استثمارية خارج نطاق تخصصها.

أسئلتي الرئيسية في هذا المقال والتي كانت لادارة الخدمات الصحية بالحرس الوطني هي: هل أصبح الفكر الإداري منصباً على منافسة الآخرين في تبني كل خدمة تبرز إعلامياً بغض النظر عن مدى تكاملها مع الخدمات الأخرى؟ هل ينظر القائمون على الخدمات الصحية بالحرس الوطن على أنها خدمات مستقلة لا يعنيها قراءة ما يحدث من صعوبات اقتصادية وإدارية تعاني منها الخدمات الصحية الأخرى؟ هل هناك صعوبة في التعاون مع القطاعات الصحية والتعليمية الأخرى؟ وإذا كانت هناك صعوبة، فما هي الجهود التي بذلت لتذليل تلك الصعوبات؟ هل فشلنا في التعاون مع التخصصي او الصحة او الجامعة يبيح لنا ان نتحول الى تقديم كل شيء بأنفسنا بما في ذلك التعليم النظامي؟ لماذا لا نعلن تلك الصعوبات ونضعها تحت المجهر ونناقشها بشجاعة وعلمية موضوعية، بدلاً من العمل (كحموات) تكايد كل منهما الأخرى؟

أنا أطرح اسئلة هنا ويجب التنويه الى أنها لا تخص الخدمات الصحية بالحرس الوطني فقط، وإنما تعني جميع القطاعات الصحية الحكومية التابعة للجهات الأخرى، الصحة، الجامعات، القوات المسلحة، قوى الأمن، التخصصي، ونتمنى أن لا نضطر الى اعادتها وتكرارها بالكتابة عن قطاع بذاته، كما نتمنى ان تتولى تلك الجهات تطوير مفاهيم التكامل والتعاون بدلاً من التنافس في خدماتها الصحية..

أضف تعليق