التقنية الحيوية

التقنية الحيوية أو (البيو تكنولوجي) يمكن تعريفها بأنها مجموعة تقنيات تعتمد على الأسس أو التطبيقات الحيوية أو البيولوجية، وقد أسهمت هذه التقنية وتطبيقاتها في تطور أبحاث واكتشافات الجينات والعوامل الوراثية وعلوم المناعة والكيمياء الحيوية وعلوم الخلايا والأنسجة وغيرها، مما أدى وسيؤدي إلى تقدم كبير في اكتشاف وعلاج الكثير من الامراض وفي تطوير جودة كثير من المنتجات الزراعية والدوائية والغذائية.

التقنية الحيوية يؤمل أن تكون الطريق الأمثل لتطوير أدوية وعلاجات فعالة لأمراض مثل الإيدزوالزهايمر والسكري والتهاب المفاصل وغيرها من الأمراض المزمنة التي لايزال الطب عاجزاً عن تطوير علاجات فعالة لها، حيث قدم في العام 1982م أول دواء تم تركيبه وفق أسس التقنية الحيوية الا وهو دواء الأنسولين، ويوجد حالياً أكثر من مائة دواء تم تطويرها في السنوات الأخيرة بناء على هذه التقنية، وهناك أكثر من 350بحثاً سريرياً على المستويات الوطنية أو العالمية مازالت قائمة لتطوير أو اختبار أدوية تعتمد في صناعتها على مبادئ التقنية الحيوية، ويعتقد أن تطبيقات التقنية الحيوية بما أحدثته وتحدثه من ثورة كبيرة في صناعة الغذاء والدواء والعلاج وفي فهم التركيبات الوراثية والجينية للانسان والحيوان والنبات مرشحة لأن تكون في القريب العاجل ضمن الجوانب الرئيسية التي تبين التطور والتقدم للدول، كما حدث في مجال ثورات الحاسب الآلي والالكترونيات والمعلوماتية. لأجل ذلك تتسابق الدول الكبرى حالياً على تبني موضوع التقنية الحيوية وجعله ضمن أولوياتها البحثية والتطويرية، حتى أن العديد منها شكلت وزارات أو مجالس أو لجاناً عليا على المستوى الوطني لمتابعة وتطوير هذا الموضوع.

للتدليل على هذا التسابق نجد أن الولايات المتحدة قد أنفقت خلال عام 1999م ما يقارب العشرة بليارات دولار كدعم لأبحاث التقنية الحيوية أسهمت في توظيف أكثر من 135ألف شخص، ومثلها تفعل دول أخرى مثل كندا واليابان واستراليا ودول أوروبا، وكما أن تقنية المعلومات والالكترونيات تمكنت من البروز فيها دول ليست غنية أو متقدمة وفق مفاهيم تصنيف دول العالم، كالهند مثلاً وماليزيا، فإن التقنية الحيوية وهي الموجة الجديدة التي ستجتاح العالم قريباً هي الأخرى لاتزال مجالاً خصباً وقابلاً لأن تتبناه دول ومؤسسات متواضعة اقتصادياً وعسكرياً، طالما وجدت لديها الكوادر المؤهلة والتقنيات الأساسية، ولذلك أتمنى أن تلتفت بلادنا إلى هذا المجال بشكل أكثر جدية، ليكون لنا شأن متقدم في عالم متقدم تقنياً وعلمياً.

نحن دولة لدينا الامكانات الأولية للاستثمار في هذا الموضوع وأهمها الامكانات المادية، ولدينا الرغبة أيضاً في الدخول في هذا العالم المتطور من الأبحاث والدراسات والصناعات التقنية، ورغم تعدد مراكز الأبحاث الأكاديمية إلا أنني، وربما بشيء من الانحياز، أرى بأن الحلم يكاد أن يتحقق في قيام جده بيوتك فاللي (كما يقترح البعض التسمية على غرار مجمع وادي السليكون) حيث قرأنا مؤخراً تبني مجلس منطقة جدة الموقر ايجاد مجمع أو مدينة خاصة بصناعة المعلومات والتقنيات الحديثة ومن ضمنها التقنيات الحيوية، وأعتقد أن هناك مراكز أبحاث محلية لديها امكانات كبيرة بحاجة إلى توظيف أكبر في هذا المجال مثل مركز أبحاث مستشفى الملك فيصل التخصصي، الذي توجد به أجهزة وتقنيات متطورة في هذا المجال، مازالت بكل أسف امكانيات بحاجة إلى توظيفها ضمن استراتيجية علمية بحثية وطنية أكثر وضوحاً…!

الدعوة لتبني البحث والدراسات والصناعات في مجال التقنية الحيوية ليس مجرد ترف علمي. بل له أبعاده الاقتصادية والأمنية والاجتماعية وغيرها. للايضاح المبسط لهذا الجانب يمكننا افتراض وجود مرض ما مزمن نريد البحث في مسبباته ومن ثم علاجه. هذا المرض تم التعرف على الشفرة الوراثية الخاصة به على المستوى الأوروبي. ومن ثم تم تطوير دواء للمرض بناء على تلك الشفرة ولكن ليس هناك معرفة بالشفرة الوراثية أو الجينية لذلك المرض في المملكة، حيث قد تختلف عنها في دول أخرى. هنا نصبح أمام خيارين إما البقاء متخلفين عن علاج المرض وفق أحدث الأساليب العلمية بسبب عدم تمكننا من فك الشفرة الوراثية أو الجينية الخاصة بالمرض في بيئتنا، أو التعرف على الشفرة الوراثية لذلك المرض في المجتمع السعودي، وبالتالي يكون السؤال، من يقوم بذلك؟ هل نقوم نحن بذلك، أم نتركه لجهات أجنبية تفحص مرضانا وعيناتنا ومن ثم العودة إلينا لبيع أسرارنا الوراثية الجينية علينا بأسعار خيالية أو وفق شروط وتنازلات، قد تخل بأمننا الصحي بصفة عامة وفي رفع فاتورة العلاج لدينا بشكل خيالي؟ ليس ذلك فقط، بل إن تلك الشركات أو الجهات الأجنبية يمكن أن تستغل تلك المعرفة بموصفات الأمراض في بيئتنا المحلية لأغراض تخريبية وعدائية، كنشر أوبئة ليس لدينا قدرة على علاجها بسهولة، وهذا ينطبق على الانسان والحيوان والبيئة؟

لقد أشرت أعلاه إلى امكانات أو محاولات بعض الجهات للولوج في هذا الباب التقني الحديث، بل إن هناك بعض الدراسات البحثية والأكلينيكية بدأت بالفعل بالمشاركة مع شركات وباحثين أجانب، وبقدر ما يبعث على التقدير وجود جهات لديها بعد النظر حول تقنيات المستقبل. إلا أن القضية بحاجة إلى تقنين وتشريع واضح في هذا الشأن، فعلى سبيل المثال يطرح الدكتور محمد الحسن الأسئلة التالية (أوردها بتصرف) المتعلقة بالموضوع والتي هي بحاجة إلى اجابة وايضاح من قبل المعنيين:

1- هل ملكية صناعة الدواء المبنية على الأسس الوراثية للشعب السعودي والتي يؤمل تحقيقها من جراء الدخول في مثل هذه الاستثمارات ستكون ملكاً للدولة أم ستكون ملكاً للشركات الخاصة والتي من المؤكد انها ستبيعها علينا بأسعار خيالية؟ وهنا يكمن الخطر على مستقبل الاستراتيجية الاقتصادية الصحية لدينا.

2- من الذي يخول مستشفى ما أو مركز أبحاث أو شركة الدخول في مثل هذه الشركات واستغلال إجراء بحوث علمية لامتلاك العينات المتعلقة بالشعب السعودي ومن ثم الدخول في شركات استثمارية في هذا المجال؟ ألم تحرم الشريعة الاسلامية وتمنع أنظمة الدولة بيع الأعضاء البشرية؟ هل تؤدي الأبحاث المتعلقة بالأسس الوراثية إلى التلاعب بالعينات الوراثية التي قد لا تقل أهمية عن بيع الأعضاء والتي تشمل مخاطرها جميع أفراد المجتمع؟

3- هل هذه الاجراءات تعد مخالفة للمعايير الأخلاقية التي أقرتها الشريعة الاسلامية وفعلتها القرارات السامية بإنشاء اللجنة الوطنية لأخلاقيات البحوث الطبية بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية؟ ماهو دور هذه اللجنة حيال هذا الأمر هل ستقف مكتوفة الأيدي حتى حدوث ما لا يحمد عقباه؟ في بريطانيا مثلاً هناك مقترح مقدم للحكومة البريطانية من قبل هيئة الجينات البشرية بادراج التلاعب بالمعلومات والعينات الوراثية كجريمة يعاقب عليها القانون. كما توصي تلك الهيئة البريطانية الحكومة البريطانية بحماية المعلومات الوراثية من التلاعب والاستخدامات غير المشروعة من قبل الباحثين العلميين. مما حدى ببريطانيا الى انشاء بنك للـ DNA سيكون تحت الاشراف التام من قبل مجلس البحوث الطبي الوطني البريطاني. من هي الجهة المخولة لدينا بإنشاء مثل ذلك البنك. بل وبتشريع وتنظيم والاشراف على البحوث في مجالات التقنية الحيوية وبالذات المتعلقة بالأسس الوراثية والجينية.

إذاً المستقبل التقني سينتقل من تقنية المعلومات إلى التقنيات الحيوية وذلك بتوظيف تقنية المعلومات والتقنيات البيولوجية لتطوير المنتجات الغذائية والدوائية ولتطوير وسائل العلاج لكثير من أمراض الانسان والحيوان والنبات، وبالرغم من ترحيبنا بدخول بعض الجهات في مشاريع بحثية متعلقة بهذا الشأن، فإننا لا نريد أن نصبح نيوفلاند كندية أخرى حيث استغلت الشركات الأمريكية وضع هذه المنطقة الفقيرة والمشهورة بأمراض وراثية متعددة وبعد أن أجرت كثيراً من بحوثها على مرضاها وطورت تقنيات علاجية جديدة لها، تركت أولئك المرضى في فقرهم غير قادرين على توفير فواتير العلاج العالية التكلفة التي فرضتها وتفرضها الشركات الأمريكية في هذا المجال… نحن لا نريد أن نسير خلف الركب في هذا المجال، وإنما المشاركة والتحكم في كل ماله علاقة بأمننا الصحي والغذائي والبيئي وهي مشاركة تجعلنا نطالب بالمبادرة في تبني هذه التقنيات وتطويعها لخدمة مجتمعنا.

هذه المشاركة ولكي تكون الاستفادة منها أمثل وأسلم لمجتمعنا ومستقبلنا، تجعلنا نضع المسؤولية على عاتق الجهات البحثية والعلمية وعلى رأسها مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، بمطالبتها بتفعيل أو الاسراع في تفعيل التشريعات والتنظيمات اللازمة في هذا الشأن والاشراف على الجهود التي بدأت تقودها جهات بحثية وأكاديمية في مجال البحوث والدراسات والتقنيات والصناعات المتعلقة بالتقنيات الحيوية عموماً والوراثية بشكل خاص، ولا يكفي في هذا المجال مجرد تشكيل لجنة تصدر توصيات وأطر عامة تحفظ في الأدراج وإنما ايجاد جهة اشرافية تتولى مراجعة العقود البحثية والدراسات ذات العلاقة وبالذات ما يجري مع جهات أجنبية، وتولي متابعة ما يتم في المعامل والمراكز البحثية ذات العلاقة والتأكد بأن ما يجري ليس له مساس بالأمن الصحي والوطني بصفة عامة.

أضف تعليق