التعليم العالي يكرّس المركزية

قبل عدة سنوات صدرت توجيهات بإعطاء الجامعات مزيداً من الاستقلالية، لكن الملاحظ أنه لم يحدث شيء يستحق الذكر في هذا الشأن. بل إننا نسير عكس ذلك التوجيه حيث نلحظ قيام وزارة التعليم العالي بمهام كانت تقوم بها الجامعات كتوجه نحو تكريس المركزية والقيام بأدوار تنفيذية من قبل وزارة التعليم العالي…

أحدث الأمثلة تتمثل في معرض الرياض الدولي للكتاب، فهذا المعرض كانت تقوم به الجامعة ويفترض أن يبقى منوطاً بالجامعات القيام به، أو تحويله الى وزارة الإعلام والثقافة للقيام به، في حالة عدم قناعتنا في جامعاتنا للقيام به. وزارة التعليم العالي ليس لديها القدرة على تنظيم المعرض دون الاستعانة بكوادر من الجامعات السعودية، فلمَ هذه اللفة من تبنيها تنظيم المعرض ثم الاستعانة بمنسوبي الجامعات أم أنها ترى بأن الجامعة ما هي الا ادارة فرعية للوزارة؟!

المثال الثاني يتمثل في برنامج الابتعاث المفتوح الذي تقوم به، فرغم اشادتنا بهذا البرنامج، الا أننا وبعد الضغط الشديد عليه والتوسع الكبير فيه، نتساءل لماذا لم توكل المهمة بالجامعات، بحيث تعطى كل جامعة عدداً من المقاعد تتولى الاشراف على ابتعاثها ومتابعة دراستها بالخارج، وليس بالضرورة توظيفها، فمثل هذه الطريقة كانت ستضمن لنا عدم تكدس الجميع من جميع مناطق المملكة أمام مقر وزارة التعليم العالي بالرياض وستضمن لنا توزيع مقاعد الابتعاث على جميع المناطق…

المثال الثالث أراه في توقيع الوزارة عقود انشاء مقرات بعض الكليات التابعة لبعض الجامعات. لماذا لاتوقع تلك العقود ادارات الجامعات على اعتبارها جامعات قائمة مستقلة، كما يفترض النظام؟

كلما انتقل عضو هيئة تدريس من الجامعة للعمل بوزارة التعليم العالي، استبشرنا بأن تفهماً أكبر سيحدث في التعليم العالي لضرورة تفهم القيم الفكرية والأكاديمية والادارية التي يجب أن تتحلى بها الجامعات من الاستقلالية الأكاديمية والادارية وغيرهما، لكن الملاحظ أنه كلما ازداد عدد الأكاديميين بوزارة التعليم العالي تقلصت تلك المبادئ. ترى هل السلطة الادارية المتشوقة للتنفيذ والتحكم أفقدت أولئك الأكاديميين الحساسية تجاه تلك القيم، أم ان تلك القيم غائبة منذ الأساس لدى الأكاديمي السعودي؟!

لست أقلل من كفاءة العاملين بوزارة التعليم العالي في القيام بتلك المهام، لكنني أخشى من تكريس مفهوم المركزية بالتعليم العالي ومن تكريس أدوار الوزارة التنفيذية، والأهم من ذلك أخشى أن يأتي ذلك على حساب الأولويات التي نطالب التعليم العالي منذ زمن بانجازها وأهمها تطوير كادر أعضاء هيئة التدريس وبقية لوائح التعليم العالي، انجاز انتقال الكليات التعليمية الى وزارة التعليم العالي، تفعيل المجلس الاعلى للتعليم، اعطاء مزيد من الاستقلالية للجامعات، تفعيل برامج الاعتماد الأكاديمي وغيرها من المشاريع التنظيمية التي حان استحقاقها منذ زمن ليس بالقصير!

أضف تعليق