في المقالات السابقة بدأت بمقدمة عن واقع التعليم العالي والمؤشرات أو التحديات الرئيسية التي استوجب طرحها لفهم التعليم العالي لدينا وما يعتريه من تحديات.. أيضاً تطرقت إلى بعض الحلول التي تم اتباعها لتطويق بعض أزمات التعليم العالي.. الواقع اننا نتجاوز حينما نذكر بأن هناك حلولا اتخذت لتطوير التعليم العالي، لأن ما تم اتخاذه من إجراءات تركز في تطويق أزمة تزايد خريجي المرحلة الثانوية، وليس بالضرورة في مجال تطوير مستوى التعليم العالي ذاته. اليوم أواصل الطرح باقتراح النموذج الإداري الذي يجب أن تكون عليه جامعاتنا..
ليس هناك وصفة واحدة سحرية تطلق ليتغير الحال إلى الأمثل خلال يوم وليلة، ولذلك فإن ما أطرحه يحمل رؤية استراتيجية تتطلب الاستعداد الإداري للتغيير/ التطوير، والتخطيط المناسب للتنفيذ.. الاستعداد الذي يتجاوز مجرد (التكتيك) الإداري، الذي أصبح بكل أسف ديدنا تتبعه كثير من قطاعاتنا في خطواتها التطويرية. الفرق بين الرؤية (التكتيكية) والاستراتيجية، هو كون (التكتيك) يعتمد على حفظ ماء الوجه وابقاء المؤسسة والقائمين عليها في محور الضوء والرضا الإعلامي والاجتماعي قدر الامكان عبر حلول مؤقتة وآنية، بينما الاستراتيجية تستنبط المستقبل وتبحث عن الريادة والتميز والوفاء بالمتطلبات العلمية والتنموية والإدارية والاجتماعية، حتى ولو كان في ذلك تضحيات آنيه، أو صراحة لا تعجب البعض.
هناك مستويان رئيسان للتطوير يفترض النظر إليهما. الأول: المستوى الداخلي للمؤسسة الأكاديمية كتطوير الكوادر العاملة بالمؤسسة الأكاديمية، تطوير اللوائح الداخلية للعمل الإداري. تطوير المعايير الأكاديمية والبحثية والتعليمية، تطوير النظم الداخلية.. الخ. هذا التطوير رغم أهميته إلا أنه متشعب يصعب حصره وبالتالي نترك الخوض في تفاصيله لحين آخر. الثاني: على مستوى الإطار العام والتنظيم/ الهيكلة الشاملة لنظام ومؤسسات التعليم العالي، وهذا ما سيكون مجال تركيزنا في هذه الكتابات، إيماناً بأنه يصعب علينا المطالبة بالتطوير الداخلي الفردي، للمؤسسة والفرد، دون تهيئة البيئة الإدارية والتنظيمية العامة ودون وضع ذلك التطوير المراد ضمن إطار شامل يساعده على النجاح..
التطوير الإداري المقترح لنظام التعليم العالي وتحديداً ماله علاقة بالجامعات يدعو، باختصار شديد، إلى استقلالية أكبر للجامعة إدارياً ومالياً وتنفيذياً، ويمكن تلخيص أبرز ملامح الاستقلال التي أناشد بتطبيقها في ما يلي: (1).
أولاً: إعادة النظر في علاقة الجامعة بالجهات الإدارية الحكومية الأخرى وتحديداً أرى ضرورة معاملة الجامعة كمؤسسة مستقلة بشكل فعلي وليس شكلي أو معنوي (3) من الناحية الإدارية والمالية والتوظيفية والأكاديمية، دون اخضاعها لنظم وزارات أو قطاعات أخرى في مجالات التوظيف، الإدارة، المالية.. الخ. هذا النموذج الإداري الذي أطالب به ليس بدعاً إدارياً في بلادنا، بل انه مطبق بشكل ما أو بآخر في بعض المؤسسات والقطاعات التي أثبتت نجاحها الإداري مقارنة بالجامعات، وفي نفس الوقت لم يبرز منها ما يخالف القواعد والنظم والمعايير العامة للبلاد، مثال بعض مؤسسات القطاع الصحي. لقد كبلت إدارات الجامعات بتقييدها بأنظمة حكومية لا تناسب استقلاليتها وطبيعة أدائها الأكاديمي، وكبلت بفرض وصاية ونظم جهات عديدة عليها، مثل وزارة الخدمة المدنية، وزارة التعليم العالي، وزارة المالية، وغيرها..
ثانياً: الاستقلالية الإدارية تتطلب إعادة النظر في تركيبة ونظام المجالس العليا التنفيذية للجامعات، بحيث (1) يصبح لكل جامعة مجلس مستقل بذاته عن مجالس الجامعات الأخرى، يرأسه مدير الجامعة أو رئيس مجلس إدارتها، (2) يصبح هناك ممثل أو ممثلون للمجتمع في مجلس الجامعة، كأن يصبح من ضمن أعضاء مجلس الجامعة الأعلى مدراء/ ممثلو شركات ورجال أعمال ووجهاء مجتمع… الخ، (3) يقلص أعضاء مجلس الجامعة ليكون مقبولاً، ليس من ناحية الشكل فقط وإنما من الناحية الوظيفية المتمثلة في القدرة على المناقشة الجادة للمواضيع المتعلقة بالجامعة، فليس بالضرورة أن يصبح جميع عمداء الكليات والعمادات الأخرى أعضاء بمجلس الجامعة، لأن الملاحظ حالياً أن غالبية الجامعات تضم ما يقارب عشرين أو أكثر من الأعضاء في مجلسها الأعلى ورغم كثرة الأعضاء ورغم انتمائهم للكادر الأكاديمي بالجامعة فإنهم يفتقدون التجانس والحماس وأدوارهم، مع تقديري لهم كأشخاص، متواضعة في مجال التطوير الاستراتيجي للجامعة (2). المجلس الأعلى للمؤسسة الناجحة يفترض أن يتسم أعضاؤه بالتكافؤ الوظيفي والمعنوي، وبالتنوع في الخبرات والأدوار، بينما مجلس الجامعة عبارة عن مجلس يضم مديره وموظفيه، غالبية أعضائه متشابهة أدوارهم وخبراتهم، فكيف تتباين الرؤى وتستحب الأفكار الخلاقة في ذلك المجلس..؟ هذا الاقتراح يهدف إلى إيجاد قيادة عليا فاعلة للجامعة، تدرس وتناقش وتفكر لمستقبل الجامعة وليس تجتمع فقط للموافقة على مقررات دراسية أو وظائف معيدين ومبتعثين وغيرها من الشكليات الأكاديمية الروتينية..
ثالثاً: إلغاء أو إعادة النظر في لوائح التعليم العالي الموحدة الحالية، حيث تجد تلك اللوائح تخلط بين المهام الاشرافية والتنفيذية، بشكل أدى ويؤدي إلى خنق وتعطيل الابداع الإداري على مستوى المؤسسة الأكاديمية، فتلك اللوائح جردت القسم الأكاديمي وعمادة الكلية وإدارة الجامعة من صلاحيات متواضعة، نعتقد أنها لا تتحمل كل هذه الإجراءات البيروقراطية المعقدة، كما أنها سلبت الأكاديمي بعض حقوقه المعنوية والأدبية المتمثلة في مشاركته في صنع القرار الإداري والأكاديمي، بما في ذلك حقه في المشاركة في اختيار رئيس الوحدة الأكاديمية، الذي أصبح قراراً إدارياً فردياً لا يعتمد بالدرجة الأولى على الكفاءة الأكاديمية… لاشك بأن ذلك لا يعني إطلاق الأمور على عواهنها بشكل فوضوي ولا بأس من إيجاد إطار عام مرجعي وليس بتحديد والتدخل في طريقة العمل اليومي للجامعة أو المؤسسة الأكاديمية، وتوحيد نظمها جميعاً لتصبح كأنها إدارة واحدة يتساوى فيها كل شيء، بدءاً من رواتب أعضاء هيئة التدريس وطرق التعاقد والتطوير لهم التي لا تأخذ بعين الاعتبار احتياجات المؤسسة الأكاديمية ونظرتها الأكاديمية تجاه منسوبيها وامكاناتها، وإلى ما لا نهاية… يجب أن نثق بقدرة إدارة الجامعة ومنسوبيها على تطوير اللوائح والنظم الداخلية الخاصة بجامعتهم، وإلا فلنسحب الألقاب العلمية والوظيفية التي نوصفهم بها، بما في ذلك تقليص أعلى منصب بالجامعة من معالي إلى (ناظر)…!
رابعاً: إيجاد مراجعة شاملة من قبل وزارة المالية، وزارة التعليم العالي، الجامعات لكيفية تحديد ميزانيات وموارد الجامعات بناء على معايير وأسس أكاديمية ومالية وإدارية متطورة (4)، تجعل الأساس هو عدالة توزيع موارد التعليم العالي وفق معايير ذات علاقة بالإنتاجية والكفاءة، كأن يتم توزيع الموارد بناء على عدد الطلاب ونوعية التخصصات والمنجزات العلمية والبحثية، وبناء على احتياجات البنية التحتية والأساسية لرسالة المؤسسة الأكاديمية، إضافة إلى تشجيع وتحفيز الاستثمارات الذاتية للجامعات بشكل أكثر وضوحاً وجرأة… استقلالية الجامعة إدارياً لا يعني أن ندفع واحدة للفشل وأخرى للنجاح عبر الصرف بكرم وبذخ لواحدة والتقتير للأخرى، ولا يعني أن نغدق عليها المال دون مساءلتها عن الإنجاز.
أعتقد أنه سيكون هدفا إداريا اقتصاديا متقدما حين يأتي اليوم الذي نرى فيه الدولة تتخلى عن رصد الميزانيات الهائلة لجامعات متصفة بالبيروقراطية المترهلة، إلى ان تدفع الرسوم الدراسية للطلاب ويُترك الأمر مجال تنافس خصب لمختلف الجامعات حكومية أم خاصة كانت، لاستقطاب أولئك الطلاب كما يحصل في كثير من دول العالم المتقدمة..
في الموضوع الاقتصادي أتوسع قليلاً باستخدام بعض الدلالات: أشار معالي وزير التعليم العالي في خطابه بمؤتمر اليونسكو للتعليم العالي، بباريس (1999م) بأن كلفة الطالب الجامعي السعودي تتراوح ما بين 8000إلى 10000دولار، أي ما يقارب 30ألف ريال سنوياً، وعليه فإن جامعاتنا بميزانيتها التي تفوق ستة مليارات ريال سعودي، تكفي كرسوم دراسية لما لا يقل عن مائتي ألف طالب سنوياً (نعني الجامعات هنا فقط وليس جميع كليات التعليم العالي ونعني الميزانية الرسمية ولا نتطرق إلى الموارد الذاتية أو الهبات والتبرعات) فهل استوعبت جامعاتنا الثماني هذا العدد؟
مكافأة الطلاب تقدر بملياري ريال سنوياً وهو مبلغ يزيد عن مجموع ميزانيات جامعات الملك فيصل والملك خالد والملك فهد معاً، فهل الجميع مستحق للمكافأة؟ أي أنه يمكن افتتاح أكثر من جامعة متميزة بهذه المبالغ أو يمكن توفير مقاعد دراسية لأكثر من ستين ألف طالب عبر دفع تلك المبالغ كرسوم دراسية.. ترى هل المكافأة أولى من توفير المقعد الجامعي لآلاف الطلاب؟ هل المكافأة أولى من تطوير البرامج الأكاديمية المختلفة؟ هناك إذاً اشكالية في تحديد أولويات الصرف في التعليم العالي، وهناك ضعف في آليات صرف موارد التعليم العالي، وبالتالي نطالب بضرورة مراجعة أولويات وآليات الصرف في التعليم العالي..
يتضح مما طرح أعلاه بأنني أطالب بمزيد من الاستقلالية للجامعات إدارياً وتنظيمياً، واعطاء المجال لكل جامعة لتقوم بتطوير لوائحها ونظمها الداخلية التي تراها مناسبة لها، وكذا تقليص أو الغاء كثير من الأدوار التنفيذية التي تلعبها وزارة التعليم العالي وغيرها في الوقت الراهن في العمل الإداري الجامعي.
السؤال التالي هو ماذا أبقيت لوزارة التعليم من مهام تؤديها؟ هذا السؤال أجيب عليه في مقال قادم..
ــــــــــــــ
(1) بعض من تفاصيل النموذج سبق طرحها في مقال “الأكاديمي وإدارة الجامعة – 2” نشر في العدد 11581بتاريخ 1420/12/5هـ .
(2) تشير المادة التاسعة عشرة من نظام مجلس التعليم العالي على أن مجلس الجامعة يتكون من معالي وزير التعليم العالي رئيساً، معالي مدير الجامعة نائباً للرئيس، أمين مجلس التعليم العالي عضواً، وكلاء الجامعة (أياً كان عددهم)، العمداء (وتشمل عمداء الكليات والعمادات المساندة الأخرى كعمادات شؤون الطلاب، القبول والتسجيل، أعضاء هيئة التدريس، البحث العلمي، المكتبات،… الخ)، اضافة إلى ثلاثة من ذوي الخبرة يعينهم وزير التعليم العالي لمدة ثلاث سنوات..
ترى هل طبقت الفقرة الأخيرة من هذه المادة باختيار ثلاثة من ذوي الخبرة من خارج الجامعة؟
(3) تنص المادة الثانية من نظام مجلس التعليم العالي على ما يلي:
“تتمتع كل جامعة بشخصية معنوية ذات ذمة مالية تعطيها حق التملك والتصرف والتقاضي”.
ترى ما المقصود بشخصية معنوية وماهي حدود التملك والتصرف المشار إليها؟
(4) انظر مقال “ميزانيات الجامعات والمستشفيات” والذي نشر بالعدد 11861وبتاريخ 1421/9/18هـ .