التعليم العالي الحلقة الأضعف

تفعيل الحوار بين مختلف أطياف المجتمع وتطوير الأداء الإداري الاقتصادي هما وجها العملة اللذان تتم المراهنة على ضرورتهما للتطوير الذي ننشده، ومن منطلقه دعمت القيادة الحكيمة توجهات الحوار بإنشاء مركز الحوار الوطني الذي عقد وسيعقد جولات متنوعة في الحوار الفكري الوطني، والتوجه نحو إجراء انتخابات بلدية كخطوة نحو إشراك الجميع في عملية صنع القرار، كما دعمت الاصلاح الإداري بالسعي نحو إعادة هيكلة القطاعات الحكومية وحث البعض منها مثل التعليم العالي بإجراء مزيد من الاصلاحات الإدارية المتمثلة في اعطاء مزيد من الاستقلالية للجامعات.

ما ذكر أعلاه ليس بالجديد، الذي أخبر القارئ عنه، لكنه مقدمة للسؤال: أين التعليم العالي، وزارة وجامعات ومؤسسات تعليمية، من كل هذه التوجهات؟

الحوار لكي ينمو يحتاج إلى حاضنة ترعاه وليس هناك أمثل من مؤسسات التعليم العالي لتكون الحاضنة التي تربي الأجيال على معنى وأهمية وسبل الحوار، ولكن ما يحدث بجامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية العالية يشير إلى الجمود الغريب ويشير إلى عدم التفاعل مع الحراك الاجتماعي الثقافي في رغبته وحماسته نحو تفعيل آليات الحوار والمشاركة في صنع القرار، إن لم يكن إدارياً ففكرياً في أحسن الحالات.

لا أريد أن أكون متشائماً ولكن الواقع المر يشير إلى ان الأرضية المناسبة للحوار داخل أسوار الجامعات أصبحت “مجدبة” بشكل يدعو للقلق، ولست أرى مسببات الإجداب فقط في عضو هيئة التدريس، رغم انه لا يعذر بشكل كامل، وإنما كنتاج لتخلف المؤسسة الحاضنة / الجامعة تنظيميا وإداريا وفكريا، بدليل قدرة عضو هيئة التدريس على نشر نتاجه خارج أسوار الوطن وقدرة عضو هيئة التدريس على طرح رأيه عبر الصحيفة وعبر الكتاب وعبر المنتدى، ولكن ليس في جامعته، فهو مجرد عنصر أو رقم تتعامل معه الجامعة كموظف عليه تنفيذ التعليمات وليس له إبداء الرأي أو المشورة وليس له حرية طرح الرأي عبر منابر حوارية تتبناها الجامعات. عضو هيئة التدريس سيحق له المشاركة في الانتخابات البلدية عن قريته الصغيرة ولكن ليس الحق في المشاركة في اختيار رئيس قسمه الاكاديمي وبالتالي ليس له الحق في المشاركة في كثير من القرارات المصيرية للعملية الأكاديمية والإدارية والفكرية في جامعته..

العملية الفكرية والثقافية تنتج عن تفاعلات وتداخلات عدة ولا يكفي فيها مجرد التوجيهات الإدارية.

هذا أمر معلوم ولكن حين يتسبب الاجراء الإداري والتنظيمي في إعاقة الحوار، يصبح ضرورياً الإشارة إليه كعقبة تسهم بشكل منتظم في تحويل أعضاء هيئة التدريس إلى مجرد مدرسين وأحيانا “ببغاوات” تردد ما يريده الإداري، لأنه بدون ذلك الترديد والتلحين لمسوغات النفاق الاجتماعي لن يحظى عضو هيئة التدريس بالتفاتة من إدارة مؤسسة التعليم العالي، التي تملك أحياناً كثيرة لأن تكون البوابة نحو مؤسسات أخرى. حينما تم اختطاف القرار الأكاديمي من قبل المعنيين به فأصبح بيد شخص إداري، حتى وإن حمل رتبة أكاديمية، لم تعد لدينا إدارة أكاديمية لمكونات المؤسسة الأكاديمية من قسم وكلية ووحدة غيرها، بل أصبحت لدينا إدارة يومية روتينية تسهم بقصد أو غير قصد في قفل منافذ الهواء الذي يعري ضحالتها الفكرية والأكاديمية، والأسوأ في الأمر هو أن تلك القيادات أصبحت تهاب المبادرة، تتجاهل أصحاب الإبداع، وتقرب أصحاب المصالح الشخصية اعتقاداً منها بأنها تمسك زمام الإدارة وتسيطر على مسار الأمور. أمر طبيعي أن يؤدي ذلك إلى نشوء نسق يتصف به أعضاء هيئة التدريس بجامعاتنا قوامه البعد عن روح المبادرة وضعف الإيمان بالرسالة التي يحملها كمثقف، وكعالم وكباحث وكقائد اجتماعي، كنتيجة حتمية لما يعانيه من إحباطات وما تفرضه البيئة المحيطة به..

النظرة أعلاه ترى بأن التعليم العالي أصبح يشكل الحلقة الأضعف في مسيرة الاصلاح المنشود مع الإدراك بوجود بعض الفروقات وبعض المبادرات المتواضعة كماً وكيفاً، وهي تحمل اسئلة كثيرة نختم المقال بسؤالين منها فقط:

هل لدى القيادات الأكاديمية بجامعاتنا وقيادات التعليم العالي ببلادنا وعي بالتحولات الفكرية والإدارية التي تحيط بمجتمعنا؟ وإذا كان، وهذا ما نفترضه من مبدأ حسن النية، هل لديها رؤية تدعم بها المبادرات التي تتبناها القيادات الحكيمة ويسعى نحو ترسيخها كثير من مثقفي ومفكري هذه البلاد، حفظها الله من كل مكروه

أضف تعليق