التعليم العالي.. الجات.. والجامعات الأجنبية ـ 3ـ

* في المقالين السابقين طرحت نبذة تمهيدية عن أبرز تعريفات ونظم منظمة التجارة العالمية واتفاقيات الجات، وعلاقة ذلك بالتعليم العالي وفي النهاية توصلت إلى اننا أمام خيارات التعليم العالي في هذا الشأن، ورأيت أن قطاع التعليم العالي قد يدخل ضمن الاتفاقيات على ثلاثة مستويات تعتبر شبه قائمة، ألا وهي مستويات التجارة عبر الحدود (التعليم عن بعد)، الاستهلاك خارج الحدود (الإبتعاث)، وتواجد الكوادر البشرية الأجنبية ضمن مؤسساتنا الاكاديمية (أعضاء هيئة التدريس الأجانب بالمملكة) وضمن هذه المستويات يمكن وضع أو التفاوض على معايير أو شروط معينة، تضع حدودا معينة لمستوى الانفتاح العالمي المراد في مجال التعليم العالي، وبقي هناك عنصر أو مستوى رابع وحيوي في مستويات التفاوض الرئيسية، ألا وهو عنصر السماح بالتواجد التجاري لخدمات التعليم العالي الأجنبي داخل حدود المملكة، ولسنا نعلم حقيقة وجهة نظر القائمين على التعليم العالي في بلادنا في هذا الشأن، وهل فتح مجال الاستثمار الأجنبي في المملكة، يشمل أو يمكن أن يشمل فتح المجال للاستثمار الأجنبي في التعليم العالي ببلادنا أم لا؟

في مقال اليوم نخرج عن تعريفات ونظم منظمة التجارة العالمية والجات ونبقى في العلاقة بين التعليم العالي والجات، ونبحث جزءا من السؤال حول موقفنا من اتفاقيات الجات في مجال خدمات التعليم العالي، وتحديداً هل نتخذ قرار السماح لتواجد المؤسسات الاكاديمية الأجنبية في مجال التعليم العالي للتواجد داخل حدود بلادنا؟ ما هي الايجابيات والسلبيات لمثل هذا القرار؟ ما هي الضوابط التي يمكن تبنيها في هذا الشأن؟

حسب تجارب الدول الأعضاء في منظمة التجارة لا يمكننا القول بوجود موقف عام تتبناه جميع الدول تجاه قطاع التعليم العالي، وتحرير خدماته من الاحتكار الوطني، واتاحة فرص التنافس فيه حتى للجهات الخارجية، فهناك 44دولة وضعت ملف التعليم على طاولة المفاوضات وأعلنت التزامها بتطبيق قوانين الجات على قطاع التعليم مثله مثل غيره من القطاعات التجارية، وقد أشرنا في المقال السابق بأننا نطبق عدم احتكار خدمات التعليم العالي على أكثر من مستوى ،ولكن يبقى التطبيق على المستوى التجاري المتضمن وجود مؤسسات اكاديمية داخل بلادنا بصورة تجارية، غير موجود وليس هناك صفة رسمية أو نظام رسمي يجيز قيام مؤسسة أجنبية كفروع الجامعات الأجنبية داخل البلاد، وعودة إلى اتفاقيات الجات هناك توقعات بزيادة عدد الدول الملتزمة بتطبيق اتفاقيات الجات في قطاع التعليم وخصوصاً مع التوجه الذي تبنته الدول الكبرى في هذا الشأن كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو اتجاه ليس مستغرباً، إذا ما علمنا أن قطاع التعليم في الولايات المتحدة أصبح يحتل القطاع الخامس الأكبر في المجال التجاري، وأن هذا القطاع يحقق ما يقارب العشرة بلايين دولار سنوياً من الخدمات التي يقدمها للأجانب داخل الولايات المتحدة فقط، دون ان يشمل ذلك الخدمات التي يقدمها التعليم الأمريكي خارج حدود بلاده.

إذاً من ناحية المبدأ، نحن نملك استثناء التعليم العالي أسوة بكثير من الدول أعضاء المنظمة العالمية، ولكننا لا نضمن استمرارية هذا الاستثناء في الجولات التفاوضية القادمة، بسبب حماس بعض الأطراف القوية في إدراج التعليم العالي كخدمة تطبق عليها قوانين التجارة العالمية الحديثة، ولكن هل هناك مبررات تدفعنا إلى المطالبة بفتح المجال للمؤسسات الاكاديمية الأجنبية كالجامعات بإقامة فروع لها داخل المملكة؟

المبررات التي لدينا تختلف عن مبررات الدول الصناعية، فنحن لدينا مبررات اقتصادية، ولكنها ليست آنية وبارزة كالآخرين، مقابل المبررات الأهم المتمثلة في حاجتنا إلى التطوير التقني وفي تطوير الكوادر البشرية وفي تطوير التجربة التنموية، ومن مبدأ الشفافية، التي هي شعار رئيسي لدى منظمة التجارة العالمية، لا أتردد في القول أن التعليم العالي المحلي يعاني صعوبات في الوفاء باحتياجاتنا الوطنية كماً ونوعاً، في مجال التعليم العالي، فمن الناحية الكمية يكفينا دليلاً هذه الجموع من آلاف الطلاب والطالبات الذين تقتل طموحاتهم في الالتحاق بالتعليم الجامعي كل عام، بسبب عدم قدرة مؤسساتنا الاكاديمية الجامعية على استيعابهم وتوفير المقاعد الدراسية المناسبة لطموحاتهم وتطلعاتهم ورغباتهم.. ومن الناحية النوعية فأيضاً لا ننكر بأن مخرجات التعليم العالي تتدنى يوماً بعد يوم، وبأننا أصبحنا نعنى بتخريج الأعداد ونشك في جودة ونوعية المخرجات التي أصبحت تصيب في مقتل، كثير من خططنا في توطين الوظائف، وتطوير الأداء في الخدمات، وأصبح الاتكال عليها في نقل التقنية وتوطينها أمرا مقلقا.. يضاف إلى ذلك المبررات الاقتصادية غير المباشرة، التي تؤيد السماح للجامعات الأجنبية بايجاد فروع لها داخل المملكة، مثل تقليص برامج الابتعاث واتاحة صرف الموارد المالية للدارسين بالخارج داخل المملكة، وكذا استقطاب الجامعات الأجنبية للاسهام في العملية التنموية بصفة عامة، كاسهامها في بناء المدن الجامعية وإتاحة مزيد من الفرص الوظيفية لأبنائنا.. الخ.

وبما أننا نتطرق للايجابيات أو المبررات الايجابية في الدعوة لاستقطاب المؤسسات الاكاديمية في مجال التعليم العالي، فمن غير المنطق تجاهل الاشارة إلى السلبيات التي يراها البعض ومحاولة تفنيدها، حيث هناك خشية وخوف من تأثير المؤسسات الأجنبية على بعض السلوكيات الاجتماعية للمنتسبين إليها والمتعاونين معها، وهي خشية ليس فقط من الجامعات الأجنبية ،بل حتى من الإنترنت والقنوات الفضائية والإعلام الخارجي.. الخ عند مناقشة الآثار الاجتماعية في هذا الجانب، يمكن القول بأنه وبالمقارنة بما يحدث في الفضاء الإعلامي، وبما يحصل للمبتعث أو الدارس خارج البلاد، فإن الآثار السلبية ستظل محدودة ومتواضعة أمام الفوائد التي يمكن أن تجنى من قيام مؤسسات أكاديمية أجنبية داخل المملكة، لأنه ومن حسن الحظ يمكننا هنا السيطرة على تلك المؤسسات وفرض الضوابط التي تقلل آثارها السلبية، بعكس ما يحدث في الفضاء الإعلامي والاتصالي حيث يصعب علينا السيطرة على مصادره ووسائله. فاتاحة المجال للمؤسسات الاكاديمية الأجنبية كالكليات والجامعات بافتتاح مقرات أو فروع لها داخل المملكة، لا يعني فتح الباب على مصراعيه دون قيود أو شروط ودون ضوابط أو قوانين واضحة تكفل لنا السيادة والقدرة على فرض الضوابط المناسبة لنا… بل ان وضع الشروط التي نراها مناسبة لنا في هذا الجانب لن يشكل بدعة أو سابقة عالمية، حتى ضمن أنظمة منظمة التجارة العالمية، فهذه اليابان، العضو الرئيسي في المنظمة، تسمح بقيام مؤسسات أجنبية داخل أراضيها ،ولكن وفق شروط أهمها موافقة وزارة التعليم اليابانية على ذلك، وكون نظام تلك المؤسسات مماثلا لنظام الجامعات اليابانية، وهذه تايلاند تسمح بقيام مؤسسات أجنبية في مجال التعليم العالي داخل حدود تايلاند بشرط ألا تزيد مشاركة رأس المال الأجنبي بتلك المؤسسات على 49% .وهذه تركيا تسمح بقيام مؤسسات أجنبية اكاديمية داخل تركيا للأجانب فقط.. يمكننا وضع الضوابط التي تناسبنا في هذا المجال، فعلى سبيل المثال، يمكننا فرض وجود مواد للثقافة العربية والإسلامية مماثلة لما هو موجود في جامعاتنا ضمن مناهج الجامعات الأجنبية داخل المملكة، يمكننا فرض وجود العنصر الوطني ضمن طاقم الادارة العليا للمؤسسة الأجنبية داخل البلاد، يمكننا اشتراط موافقة التعليم العالي على انشاء والتوسع في تلك المؤسسات، يمكننا وضع ضوابط عديدة تحافظ على قيمنا ومطالبنا الاجتماعية والادارية والاقتصادية ،ولكنه غير مبرر منا الرفض التام، وهو على كل حال سيكون رفضا مؤقتا قد لا يستمر في جولات قادمة من المفاوضات، ونحن بأمس الحاجة إلى مثل هذه الخطوة، خطوة السماح بقيام كليات/ جامعات/ فروع جامعات/ فروع كليات أجنبية داخل المملكة.

أخيراً: ألخص سلسلة المقالات هذه، بأن بلادنا تعمل في مجال التفاوض على الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية واتفاقيات الجات، ويقوم على أمر تلك المفاوضات إشرافاً وتفاوضاً كفاءات وطنية مميزة تستحق التقدير، وسيكون مفيداً معرفة المزيد عن تلك المفاوضات وتأثـيرها وعلاقتها بمختلف القطاعات، ومنها قطاع التعليم العالي الذي استخدمته نموذجاً في هذه المقالات، كما أن الطرح حول علاقة التعليم العالي بمفاوضات الجات قاد إلى التساؤل عن موضوع السماح للمؤسسات الاكاديمية الأجنبية بالتواجد داخل حدود المملكة، كجزء من متطلبات الجات، وأبنت ايجابيات ذلك بما يفرض دعوة الجهات المعنية بالتعليم العالي في بلادنا لمناقشة هذه القضايا بجدية وموضوعية كافية، في كافة جوانبها وليس فقط الجانب الاقتصادي الآني، وبالتالي سرعة اتخاذ القرارات والتنظيمات الواضحة تجاهها، لما في ذلك من فوائد علمية وتقنية واقتصادية واجتماعية وتنموية… بل اتجاوز ذلك إلى المطالبة بالعمل على استقطاب وجذب المؤسسات الاكاديمية المرموقة للتواجد داخل بلادنا، وبما يتوافق مع متطلباتنا وشروطنا التي تتواكب مع ترحيبنا بالاستثمار الأجنبي داخل البلاد ولا تتعارض مع مبادئنا القيمة.

صـدى:

“جامعة الملك فهد للبترول والمعادن يفترض عدم مقارنتها بالجامعات الأخرى، حيث إنها تشكل نموذجاً، أو يفترض انها تشكل نموذجاً مشابهاً لنموذج معهد ماسيتوشس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة وهو المعهد الرائد في الأبحاث والتطوير التقني.. وتوجه انشاء جامعات تقنية بحتة على غرار المعهد الأمريكي المذكور تم تبنيه في الهند وأتت بنتائجها المبهرة التي نقلت الهند لتكون دولة تقنية، ولولا تلك الكليات والمعاهد التقنية لما تمكنت جامعات الهند المكتظة بمئات الألوف من تخريج تلك الكفاءات التي يتسابق العالم على استقطابها..”.

عضو هيئة تدريس بجامعة الملك فهد للبتـــرول والمعادن

تعقيباً على مقال “جامعة الملك فهد بين الاستثناء والقصور”

أضف تعليق