نظاماً نحن لم نسمح بفروع الجامعات الاجنبية بالمملكة، ولكننا نلحظ لجوء بعض الكليات او الجامعات وبالذات الخاصة إلى التعاون مع جامعات أجنبية،
لم يعد مبالغة حين يصف البعض التعليم العالي في بلادنا بالعجز في تحقيق رغبات أبنائنا وبناتنا في توفير المقاعد الجامعية الكافية، ولم يعد مجرد همس، التذمر من عدم قدرة مؤسسات التعليم العالي ببلادنا عن الوفاء باحتياجاتنا الوطنية من الكفاءات المتميزة، فوجود أكثر من عشرين ألف طالب وطالبة من أبناء هذا الوطن للدراسة في دول مجاورة، وغير مجاورة، لأجل الدراسة الجامعية، دليل تأكيد لهذه الحقيقة، و وجود ستة ملايين أجنبي يعملون بالمملكة، في الوقت الذي ترتفع فية معدلات البطالة ضمن المواطنين، دليل آخر على ضعف مخرجات مؤسسات التعليم والتدريب ببلادنا، وعدم وفائها باحتياج القطاعات المختلفة.
عند المقارنة بين المملكة والدول العربية، وحسب مقاييس برنامج التنمية بالأمم المتحدة، تأتي العديد من الدول العربية قبل المملكة في المعيار التعليمي، وهو معيار يعتمد على الملتحقين بالمؤسسات التعليمية وعلى الأمية وغيرها من المقاييس، وتحديداً نجد دولاً مثل البحرين، لبنان، ليبيا، قطر، الأردن، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، تسبق المملكة في ذلك التصنيف أو المعيار. حققت الولايات المتحدة نسبة 98% في ذلك المعيار، والبحرين 85%، بينما السعودية حققت 71% فقط. ليس ذلك فقط، بل إن ما يصرف على الطالب الجامعي في دول مثل عمان، البحرين، وهما أفقر دول الخليج من ناحية الموارد الاقتصادية يفوق ما يصرف على الطالب السعودي الجامعي، حيث تصرف عمان مبلغ 15701دولار أمريكي في العام على الطالب الجامعي، وتصرف البحرين 10351، بينما معدل مايتم صرفة على الطالب السعودي في المرحلة الجامعية يقدر بـ 9868دولاراً أمريكياً، و هذا الرقم ربما يعتبره البعض مبالغاً فيه!(1)
هذة ليست حقائق جديدة، فنحن نستحضرها مع نهاية عام دراسي وبدء مواسم القبول في الجامعات والكليات والمعاهد، وأستبق بها مواسم الهجرة الصيفية، لتأكيد الحاجة إلى التوسع كما ونوعاً في مجال التعليم العالي، وبأننا أصبحنا في وضع متأخر في هذا المجال بما في ذلك مقارنتنا بدول حتى عهد قريب كانت جامعاتنا المضياف الرئيسي لأبنائها. لن أعيد المطالبة بالتوسع بالتعليم الجامعي وضرورة زيادة موارده، ولن أكتب عن التوجة نحو افتتاح كليات وجامعات خاصة، فواقع الأمر يقول بأن تلك الحلول طرقت كثيراً ويبدو أنه ليس بالإمكان أحسن مما هو حاصل، فحتى الكليات الخاصة التي راهن البعض عليها، لا تزال محدودة جداً ليس بالعدد، فما شاء الله، تعددت حتى أصبحت مجال تفاخر وتنافس بين المناطق، و لكن في إمكاناتها ومحدودية مقاعدها ونوعية برامجها، والسياسة المتبعة حالياً بالضغط على الجامعات القائمة بقبول المزيد من الطلاب دون توفير إمكانات كافية تقابل تلك الزيادة يخشى أن، إن لم تكن فعلاً تحولت، تحولها إلى تخريج أعداد هائلة من الكتبة (كليركس) حاملي الشهادات الجامعية، ذوي المهارات المهنية والعلمية المتواضعة، فما هي الخطوات التي لم نطرقها أو تجاهلناها في سبيل زيادة المقاعد الدراسية بالتعليم الجامعي وتطوير أو تجديد الفكر والأداء الجامعي؟
أحد الحلول الرئيسية، والذي لا أعلم سبب تجاهله أو حتى تجاهل مناقشته من قبل الجهات المعنية، السماح، بل الاستقطاب للجامعات الأجنبية لفتح فروع لجامعاتها أو كلياتها أو حتى إنشاء كليات جديدة مستقلة بالمملكة. غالبية الدول العربية تبنت هذا التوجه، بما في ذلك بعض دول الخليج كالإمارات وقطر، بل يمكن القول بأن ذلك توجه عالمي، فماليزيا التي تقود الدول الإسلامية حالياً في تطورها الإداري والتقني، أدركت بعدم قدرة الحكومة على توفير التعليم الجامعي عبر مؤسساتها لأكثر من 6% من سكانها في سن التعليم الجامعي، فسمحت بافتتاح فروع للجامعات الأجنبية وبالذات التقنية، حتى وصلت إلى ماوصلت إليه من تقدم حالي، تقدم انعكس على مؤسساتها الأكاديمية التي تطورت هي الأخرى لتنافس الجامعات الأجنبية. اليابان وهي رائدة الصناعة العالمية، ويلتحق بجامعاتهاوكلياتها مايقدر بـ 40% من السكان، اعترفت بالتعليم عن بعد الذي تقدمه الجامعات الأجنبية وسمحت لتلك الجامعات بافتتاح مكاتبها داخل الأراضي اليابانية، وهي في الطريق للسماح للجامعات الأجنبية بافتتاح فروع متكاملة بأراضيها. حتى الصين وهي الدولة الكبرى المنافسة للغرب، سمحت للجامعات الأجنبية الغربية بافتتاح برامج وفروع مستقلة أو مشتركة مع الجامعات الصينية، بل إن الصين لديها حماس كبير جعلها تضع خطة تسويقية لاستقطاب التعليم الأجنبي داخل أراضيها.
اتفاقيات التجارة العالمية، ونحن نسعى للانضمام إليها، أيضا تشجع انتقال الخدمات التعليمية وبالذات في مجال التعليم العالي عبر الحدود وبين الدول، ونعتقد بأن الضغط سيتم مستقبلاً نحو اعتبار التعليم العالي سلعة يجب عدم استثنائها من اتفاقيات التجارة العالمية، وهذا ما تسعى له أكبر ثلاث دول في مجال التعليم العالي، الولايات المتحدة، المملكة المتحدة وأستراليا. في الولايات المتحدة يعتبر التعليم الحالي أحد أكبر خمسة قطاعات اقتصادية تصديرية، حيث قدر سوق التعليم العالي بالولايات المتحدة بعشرة بلايين دولار عام 1999م. يمكن النظر في سلسلة المقالات التي سبق أن كتبتها عن التعليم العالي ومنظمة التجارة العالمية.(3)
افتتاح جامعات أو فروع جامعات أجنبية داخل المملكة بشكل مستقل أو بالتعاون مع المؤسسات القائمة، لن تكون فائدته محصورة في تخريج مزيد من الأعداد من حملة الشهادة الجامعية، بل يعني استقطاب خبرات وكفاءات أجنبية متمكنة، يعني انتقال تلك الخبرات إلى شريحة أكبر من المتعلمين والمتدربين والعاملين في هذا المجال وبشكل أقل كلفة من الابتعاث المكلف المحصورة فائدته المباشرة على عدد محدود من الطلاب، يعني تطوير منشآت اقتصادية وبحثية جديدة، يعني زيادة فرص التوظيف لأبناء الوطن، يعني العديد من الفوائد، فلماذا نحن مترددون في فتح هذا الباب بشكل واضح وصريح؟
أسترسل هنا فأشير إلى أنه عندما يطرق هذا الحديث تأتي ملاحظات (تحفظات) إعتراضات من قبل البعض بأن الجامعات الأجنبية ستسهم في التأثير على الهوية الوطنية.. الجامعات الأجنبية ستأتي حاملة أهدافاً خفية منها الديني ومنها الاجتماعي، أهدافاً ستؤثر على الهوية المحلية.. الجامعات الأجنبية ستسهم في تغريب افكار أبنائنا وبناتنا… وهذه ملاحظات أو وجهات نظر تستحق العناية والتقدير، رغم ما قد تحمله من تصورات مبطنة، تنظر إلينا، بقصد أو دون قصد، ككيان هش يسهل التأثير علينا وعلى معتقداتنا أو ثوابتنا ومبادئنا، و تصور أبناءنا بأنهم ذوو عقول فارغة يسهل حشوها بكل سهولة حتى بعد أن يصلوا سن البلوغ. بالرغم من إمكانية التقليل من هذه المخاوف بحجة أن الابتعاث لم يؤثر في عقائد أبنائنا، ولم يؤثر وجود الشركات الأجنبية منذ سابق الزمان في تحلل المجتمع أخلاقياً، ولسنا منعزلين عن العالم، حيث نسافر ونشاهد الفضائيات ونستخدم الإنترنت.. إلخ إلا أن ذلك لا يمنع من الإيضاح بأن المطالبة بالسماح بوجود جامعات أو فروع جامعات أجنبية بالبلاد، لايعني ترك الحبل على الغارب لتلك الجامعات وفروعها، وإنما استقطابها وفق نظم واضحة و تحت إشراف مقبول أسوة بما يتم اتخاذه في مجال الاستثمار الأجنبي وفي عمل الشركات الأجنبية بالبلاد… الخ.
ألا يمكن أن نقبل التعليم العالي الأجنبي وفق شروطنا وتحت رقابة وإشراف الجهات المعنية ببلادنا؟ ألا يمكن أن نشترط على الجامعات الأجنبية أو فروعها بالمملكة، إيجاد مواد تعليمية دينية وعربية وتاريخية ضمن مناهجها؟ ألا يمكن أن نشترط عليها عدم تدريس مقررات دينية تتعارض مع ديننا الإسلامي؟ ألا يمكن أن نشترط عليها إيجاد تخصصات نحن بحاجة إليها، فقط؟ ألا يمكن الاشتراط على مؤسسات التعليم الأجنبية توظيف المواطنين وتدريبهم وفق نسب متدرجة ومعقولة أسوة بالشركات الأخرى؟ ألا يمكن الاشتراط عليها إنشاء مقرات وبنية تحتية ذات مواصفات متطوره؟ ألا يمكن الاشتراط عليها الاسهام في البحث المحلي الوطني؟ ألا يمكن الاشتراط عليها تقديم منح دراسية للمتفوقين أو المحتاجين؟
نظاماً نحن لم نسمح بفروع الجامعات الاجنبية بالمملكة، ولكننا نلحظ لجوء بعض الكليات او الجامعات وبالذات الخاصة إلى التعاون مع جامعات أجنبية، بغرض تطوير تجاربها أو بغرض التسويق لبرامجها. هذا التعاون بطريقته الحالية، بكل أسف، نجده مكلفاً أحياناً على جامعاتنا وكلياتنا، واستفادتنا منه محدودة، لأنه لا يتم ضمن برامج شراكة متكافئة، وإنما وفق اتفاقيات مؤقتة نحن في الغالب من يدفع فاتورتها بالكامل، وأحيانا نحن من يكون الطرف المغفل فيها، لأجل تحقيق اهداف محدودة ومتواضعة، بينما لوكان هناك نظام واضح وصريح في التعامل مع الجامعات الأجنبية من منطلق الشراكة المتكافئة، لوجدت اتفاقيات طويلة المدى ذات أبعاد استراتيجية مستقبلية، حيث يكون التفاوض والاتفاق حينها بين جهات ذات مصالح مشتركة. يجب ان ننظر إلى الجامعات الأجنبية سواء الأمريكية أو البريطانية أو الأسترالية بأنها مستفيدة وتسعى لتصدير التعليم العالي إلى بلاد العالم لما في ذلك من فوائد اقتصادية وتعليمية تعود عليها وعلى مجتمعاتها، وبالتالي فالوضع يتطلب منا التعامل معها من منطلق الشراكة المتكافئة. هذا التعامل المتكافئ لن يتم مالم يعلن نظام وموقف واضح في هذا الشأن.
ترى هل نسمع رأي مجلس التعليم العالي الأعلى الموقر، هل نسمع رأي وزارة التعليم العالي، هل نسمع رأي الهيئة العامة للاستثمار الأجنبي، وغيرها من الجهات ذات العلاقة في هذا الشأن؟ هل نساعد الكليات الأهلية الخاصة ورأس المال المحلي والاستثماري في تأسيس تعليم متميز بالمشاركة مع الجامعات الأجنبية، أم نواصل التردد حتى تستأثر الدول المحيطة بكعكة الاستثمارات المالية والتقنية والأكاديمية الأجنبية في التعليم العالي، فلايبقى لنا حينها سوى الفتات…؟
—————–
1) David L. Wheeler: Higher Education in the Arab World. The Chronicle of Higher education, April 5, 2002.
2) Marjorie Peace Lenn: The Right Way to Export Higher Education. The Chronicle of Higher Education, March1, 2002.
3) أنظر سلسلة المقالات المنشورة بعنوان “التعليم العالي.. الجات.. والجامعات الأجنبية”
بتواريخ 6/25و 7/3و 1422/7/24هــ
—————
malkhazim@hotmail.comher Education. The Chronicle of Higher Education, March1, 2002.
3) أنظر سلسلة المقالات المنشورة بعنوان “التعليم العالي.. الجات.. والجامعات الأجنبية”
بتواريخ 6/25و 7/3و 1422/7/24هــ