التعليم العالي الأجنبي

سبق أن طرحتُ موضوع التعليم العالي والجات عبر ثلاث مقالات مطولة بصفحة حروف وأفكار (نُشر أولها في 2001/9/13م) وناقشت فيها وضع التعليم العالي بعد الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وكنت أستشرف ما يُعرف بـ (عولمة) التعليم العالي المحلي وجعل مخرجاته سلعة عالمية ننافس بها الآخرين، ولم يكن ذلك ضرباً من (الودع) بقدر ما كان تفاعلاً مع رغبتنا في الانضمام لمنظمة التجارة العالمية وحماستنا نحو فتح أسواقنا للاستثمار الأجنبي. كانت إحدى الرسائل التي وجهتها تطالب بتبني فتح المجال لوجود الجامعات الأجنبية أو فروعها بالمملكة وفق لائحة ونظام واضح المعالم يمكننا من الموازنة بين الاستفادة من خبرات تلك الجامعات وفي نفس الوقت الحفاظ على المعايير الأساسية للتعليم العالي لدينا، ولأننا لا نأتي سوى متأخرين (لا أدري هل التأخر ذلك سببه ضعف في استيعاب المتغيرات العالمية، أم لا مبالاة ومكابرة تقفز على الوقائع) أعيد طرح الموضوع، بعد أن أعلن (عن طريق وزارة التجارة وليس التعليم العالي!) بأن المملكة بصدد فتح المجال للجامعات الأجنبية للاستثمار داخل المملكة، ولأننا وخلال سنوات قليلة وعطفاً على استقراء واقع دول الجوار، سنصبح متأخرين مقارنة مع دول مجاورة كانت حتى عهد قريب تستعين بجامعاتنا في تدريس ابنائنا. التأخر ليس في قضية فتح المجال أو رفضه لمؤسسات التعليم الأجنبي للاستثمار في المملكة، ولكن في نتائج ذلك الاستثمار والتي يبرز منها رفع كفاءة مخرجات التعليم العالي وجعله في مصاف التعليم العالي في الدول المتقدمة من الناحية النوعية.

أكرر الطرح لأن تقاعس الجهات المعنية بالأمر في إيضاح موقفنا وفي طرح نظام واضح في مجال التعليم الأجنبي قاد إلى سوق سوداء محلية المتضرر منها هو المستثمر المحلي والطالب أو الطالبة السعوديان، فأصبح المستثمر يدفع أموالاً لتعترف بمخرجاته جامعة أجنبية وأصبح يتستر على التعاون مع المؤسسات الأجنبية بوضع اتفاقيات تعاون تعليمية هشة يكتفى من بعضها بالبريق الإعلامي فقط مقابل أموال طائلة يدفعها ذلك المستثمر، بينما لو فتح الباب لاستطاع المستثمر الإسهام في افتتاح فروع كاملة تتحمل مسؤوليتها الجامعة الأجنبية التي تضحك على ابنائنا في الوقت الحالي بمجرد وضع اسمها كهيئة استشارية أو تقييمية للبرنامج المحلي. ليس ذلك فقط بل أصبحت بعض السفارات والمؤسسات المحلية تشكل فروعاً مستترة لجامعات وكليات أجنبية.

لا أرى مبرراً علمياً لهذا الانغلاق وعدم الانفتاح على المدارس الأجنبية في التعليم العالي ففيها المتميز الذي سنستفيد وسنفيد منه ابناءنا، وليس هناك مبرر إداري أيضاً في هذا الجانب فبلادنا تسعى للانضمام لاتفاقيات التجارة العالمية وتفتح أبوابها للاستثمار الأجنبي في كثير من المجالات، بما فيها التعليم العالي كما قرأنا. وحتى اجتماعياً نحن أصبحنا جزءاً من القرية العالمية ومالم تأت به الجامعة سيأتي عن طريق الإنترنت والفضائيات وغيرها، فهل الجامعات الأجنبية هي فقط من نخشى منها على أبنائنا؟

لم لا تضع الجهات المعنية بالتعليم العالي الشروط الواجب توفرها في أية مؤسسة تعليمية عالية بالمملكة ومن ضمنها شروط الحد الأدنى المطلوب من المواد اللغوية والدينية، والالتزام بالقواعد والنظم المستمدة من ديننا الإسلامي كنظام الفصل بين الطلاب والطالبات.. إلخ قبل التصريح التجاري بقيام فروع الجامعات الأجنبية بالمملكة، ما استتر منها وما ظهر، بشكل يضمن لنا الحفاظ على مبادئنا وفي نفس الوقت لا يحرمنا من الاستفادة مما يملكه الآخرون من تميز علمي وتقني؟

أضف تعليق