التطور الصحي

    لكل مجال مؤشرات نموه التي لا تأتي من فراغ، بل وفق التطورات العلمية التي يتعرض لها وعلى التجارب الريادية التي تتحول إلى نماذج يحتذى بها، وفي القطاع الصحي يمكن القول بأن واقع الممارسة الصحية تطور عالميا، أو يسير وفق تطور ينقله من مرحلة إلى أخرى عطفاً على الكشوفات التي تصاحب هذا المجال وعطفاً على استفادة أو تبادل الخبرات في المجال الصحي عبر القارات ومع القطاعات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية وغيرها. لتبسيط الأمر نرى تطور الرعاية الصحية الحديثة مر بثلاث مراحل يمكن تصنيفها كالتالي:

@ المرحلة الأولى تمثلت في كون النموذج الطبي يعتمد على التسلسل القائل بإجراء الفحوصات ثم اكتشاف المرض أو المشكلة الصحية، قبل الانتقال إلى علاج تلك المشكلة أو المرض. البعض يسمي هذه المرحلة أو النموذج بالنموذج العلاجي بحكم تركيزه على علاج المشكلة الطبية بعد حدوثها…

@ المرحلة الثانية تمثلت في الانتقال من مجرد العلاج إلى الوقاية وتعزيز الصحة، وهنا برزت مفاهيم عالمية مثل الرعاية الأولية والاهتمام بالصحة كمفهوم شمولي وليس مجرد عضوي أو بيولوجي وكذلك الاهتمام بماهو أكبر من مجرد حدوث المرض بل إلى الحصول على أداء ومستوى أفضل على المستوى الفردي والاجتماعي في الجوانب الصحية وكل ما يتعلق بها من جوانب بيئية واجتماعية واقتصادية وثقافية…

@ المرحلة الثالثة والتي بدأت معالمها ويعتقد أنها ستشكل مايشبه الثورة في مجال الرعاية الصحية تتمثل في مرحلة توقع المرض وليس مجرد الوقاية الأولية أو العلاج. توقع المرض يعني اكتشاف أو رسم الخريطة الصحية للإنسان ربما منذ مولده أو حتى قبل ولادته، حيث يمكن من خلال قراءة الخارطة الجينية والمرضية للشخص معرفة الأمراض التي سيتعرض لها بعد مولده أو في كبره وبالتالي سيكون بمقدور الإنسان والنظام الصحي بصفة عامة التهيؤ بما قد يتعرض له من أمراض سواء بمقاومتها أو الوقاية منها أو تقليل آثارها أو علاجها قبل حدوثها. هذه المرحلة ليست خيالا علميا كما قد يتصور البعض بل انها مرحلة ابتدأت مع إعلان التعرف على الخارطة الجينية والوراثية للإنسان وهي في تطور سريع يواكب الطفرات العلمية التي نشهدها في مجال التقنيات الحديثة سواء المتعلق منها بتقينة خرائط الجينات البشرية أو مايتعلق بتقنيات النانو أو غيرها من التطورات الأخرى.

نظامنا الصحي المحلي لازال يراوح بين المرحلتين الأولى والثانية، بل انه يمكن القول بأنه لم يستطع حتى الآن تجاوز المرحلة الأولى التي تركز على علاج المشاكل الصحية من منظورها العضوي البحت. ربما يرى البعض بأننا نفتقد للآليات العلمية والتقنية والبحثية التي تسمح لنا بالانتقال إلى المستوى المتقدم المتمثل في المرحلة الثالثة، الموصوفة أعلاه، لكن هذا لا يعفينا من البحث في كيفية التطور من مجرد معالجين للأمراض إلى متنبئين ومكتشفين للأمراض والمشاكل الصحية قبل حدوثها على المستوى الفردي والجماعي…

أضف تعليق