زميلنا الكاتب محمد الأحيدب طرح رأيه في التشغيل الذاتي للمستشفيات ( 22ذو القعدة)، وبدأ مقاله “خطوة وزارة الصحة بالتحول للتشغيل الذاتي بدلاً من التشغيل التعاقدي لمستشفياتها، خطوة تستحق التشجيع والمساندة من كل من لديه حس وطني وحرص على إنسانية المواطن والمقيم بالمحافظة على صحته وتقديم الرعاية الصحية التي لا تشوبها حمى المصالح الذاتية، والأنانية، والرغبة في تحقيق الفوائد من مصائب الآخرين..”.
سأبدأ الاختلاف مع الصديق الأحيدب بالقول إن لدينا – ككتاب – المساحة الكافية لطرح الرأي، لكنه ليس من حقنا حجب الرأي الآخر ووصم صاحبه بالافتقاد إلى الحس الوطني، وبالذات في قضية إدارية بحتة لها إيجابيات ولها سلبيات مثل أي فلسفة أو نظرية إدارية…
لدينا تجارب عديدة في هذا الشأن، وأعتقد أن تجربة إدارة المستشفى عن طريق شركة طبية عالمية متخصصة كانت الأفضل من بين تلك التجارب، مثل تجارب بعض مستشفيات الملك فهد ومستشفى الملك خالد للعيون مع الشركات الأمريكية. حتى تجربة التخصصي أو الحرس الوطني كانت متميزة مع الشركات الأمريكية من ناحية التنظيم الإداري، بالذات، وتميز التخصصي والحرس الوطني الاستثنائي (وهو تميز نسبي وليس مطلقاً) يتكيئ على ما بنته الشركات الطبية المشغلة سابقاً لهما من نظم إدارية وتشغيلية متميزة، ومن الصعوبة تعميمه على مؤسسات لن تملك نفس الاستثناءات.
متى فشلت تجربة التشغيل عن طريق الشركات؟
أعتقد أنها فشلت حينما تحول التشغيل إلى مناقصة مقاولات يعتمد فيها على أقل العطاءات لترسية المشروع،وبالتالي قلصت العقود ودخلت في المنافسة شركات وطنية تجارية لا تملك الخبرة والإمكانات المتميزة في المجال الصحي. صاحب ذلك تدني الأداء الرقابي والإداري بصفة عامة بوزارة الصحة، بحيث لم تستطع تطوير مواصفات تشغيل المستشفيات وآليات مراقبة الشركات المتعاقدة، بالشكل المطلوب …
إذاً وزارة المالية لديها الحق في إعادة النظر في موضوع التشغيل الذاتي لأنه أصبح مكلفاً وأصبح مدعاة للتسيب والتضخم في الصرف. ووزارة الصحة معها الحق في التحفظ على التشغيل عن طريق الشركات، فتجربتها مع الشركات الوطنية الصحية سيئة وقدراتها، أي الوزارة، الرقابية والإشرافية متواضعة..
أرجو أن نعترف بوجود نقص أو ضعف واضح لدينا في مجال إدارة القطاعات الصحية والزميل الأحيدب كتب عن ذلك وبإمكانه بحث علاقة ذلك بإدارات برامج التشغيل الذاتي. لا يوجد لدينا القيادات الصحية الإدارية المتميزة التي يمكنها إحداث نقلة نوعية في هذا الشأن، وغالبية المستشفيات التي اتجهت للتشغيل الذاتي أو الحكومي (سواء الجامعية أو العسكرية أو التابعة للوزارة) نراها تعاني إدارياً وتنظيمياً. حتى مستشفيات التخصصي والحرس الوطني عانت إدارياً وتنظيمياً بعدما تغلغلت إدارة التشغيل الذاتي المحلية في مفاصلها… في نفس الوقت لدينا تحفظ على التعاقد مع شركات متواضعة الخبرة لتشغيل المستشفيات.
أطالب بفتح المجال للشركات العالمية المتميزة للولوج في إدارة المستشفيات السعودية (ربما عن طريق هيئة الاستثمار) فلدينا طفرة في بناء المستشفيات ونحن بحاجة إلى استقدام نماذج إدارية وتنظيمية ونوعية متميزة لإدارتها لأن الإدارة والتنظيم وجودة الأداء أهم من بناء الحجر. مع التأكيد بضرورة تطوير معايير ومواصفات التعاقد مع الشركات المشغلة وآليات الرقابة والمتابعة عليها..
لقد سبقنا دول الجوار في التعاقد مع الشركات العالمية في إدارة المستشفيات في فترة سابقة، لكننا تخلينا عن تلك التجربة المتميزة حينما سيطرت علينا فكرة سعودة الشركات وتهاونا في صحتنا لأجل عيون شركات قليلة الخبرة صحياً، أو لأجل إيجاد حلول قصيرة الأجل لمشكلات متراكمة بقطاع الصحة …