التربية والتعليم بين تغيير المسمى والهيكلة الحقيقية

أطالب بضم الكليات الجامعية التابعة لوزارة التربية والتعليم إلى وزارة التعليم العالي فإنني أراه حان الوقت كذلك لأن يتم تحويل المعاهد العلمية التي تقدم التعليم الأساسي من جامعة الإمام إلى وزارة التربية والتعليم، فليس من مبرر إداري أو علمي يبقي تلك المعاهد تحت إشراف الجامعة سوى الإصرار على التعامل مع الألفية الثالثة بمنطق الماضي

صدر التشكيل الوزاري الأخير ولم يتوافق مع بعض التوقعات التي تم تداولها قبيل صدوره، حيث راهن البعض على دخول وجوه عديده ضمن التشكيل الوزاري الجديد سواء تشكيل مجلس الوزراء أو من هم في مرتبة وزير خارج المجلس، بينما أتى التغيير محدوداً في الأسماء مركزاً على اعتبار التغييرات في مسميات وصلاحيات الوزارات هي التغيير الهيكلي الإداري المطلوب إنجازه في المرحلة الحالية. لست أنوي في هذا المقال بحث أولويات الإصلاحات المفترض التركيز عليها في المرحلة الحالية وهل الأولوية يجب أن تكون للإصلاح السياسي أم الإداري وهل كان يفترض التركيز على تغيير الأسماء الوزارية أم هيكلة الوزارات من الناحية الاسمية والوظيفية، وإنما أركز على بعض ملامح الهيكلة الجديدة، وتحديداً في ما يخص التربية والتعليم، مفترضاً بأن مرد تبني مصطلح الهيكلة الإدارية والتطوير الإداري في خطابنا الإداري ووصف التغييرات الحاصلة بأنها تأتي ضمن هيكلة شاملة يعني ضمناً بأن العملية التطويرية مستمرة، بشكل يسمح لنا بتقديم مزيد من القراءة والنقد والتطوير. هذا الحكم بعدم اكتمال الهيكلة الإدارية يؤكده إعلان وزير الخدمة المدنية الموقر وبعض زملائه أعضاء اللجنة المكلفة بالتطوير الإداري، باستمرارية الهيكلة التنظيمية للوزارات وبأن ما أعلن يعتبر جزءاً نحو استكمال هيكلة بقية القطاعات الذي سيعقبه الهيكلة المنفردة لكل قطاع أو وزارة على حدة.

لا أعلم مبرر عدم إعلان الهيكلة العامة للوزارات بشكل متكامل، سواء بإستعجال هيكلة بقية القطاعات أو بتأجيل ما أعلن حتى يتم اكتمال الصورة الهيكلية العامة لأجهزة الدولة المختلفة، ولكن أعلن خشيتي بأن تداخل ما سيأتي من خطوات تطويرية مع ماتم إنجازه قد يعيد ترتيب وهيكلة بعض القطاعات إلى المربع الأول في عملية التطوير الإداري وهي التي أعتقد البعض باكتمال هيكلتها. تحديداً أطرح مثالاً هنا، وزارة التربية والتعليم والتي أرى عدم اكتمال هيكلتها دون هيكلة القطاعات الأخرى ذات العلاقة مثل التعليم العالي والتعليم الفني والقطاع الصحي.. إلخ حيث أن هيكلة تلك القطاعات يتداخل مع التربية والتعليم، ولا نريد أن يضطر القائمون على التعليم والتربية إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي للوزارة مرة أخرى بعد إعلان هيكلة القطاعات المشار إليها، أو نريدهم في أحسن الأحوال يدركون بأن الهيكلة الحالية للتربية والتعليم ماهو إلا مرحلة انتقالية قد تتغير أو تتطور وفقاً لما سيحدث من تغييرات في بقية القطاعات ذات العلاقة.

قطاع التربية والتعليم، محور مقال اليوم، كان له نصيب ضمن خارطة التطوير الوزاري الحديث، حيث حمل المسمى الجديد لوزارة المعارف بشقيها الرجالي والنسائي ما يعكس أو يفترض أن يعكس أدوارها الحقيقية ألا وهي التربية والتعليم. ذلك المسمى نتمنى أن تحقق من خلاله وزارة التربية والتعليم الكفاءة والتميز في كلا الجانبين التربوي والتعليمي، بل نتمنى تجاوز ذلك المسمى إلى وصف هذا القطاع بقطاع التعلم بدلاً من التعليم ليعكس ذلك الانتقال في طرقنا التعليمية من حالة التلقي والتلقين إلى المشاركة والفعل في العملية التربوية والتعليمية.

تغيير المسمى وهو تغيير إيجابي يجعلنا نتجاوزه إلى السؤال عن المقصود أو الهدف من جعلها وزارة واحدة بميزانيتين منفصلتين؟ هل فصل الميزانية له علاقة بفصل تعليم البنين عن البنات؟ لقد أتى إقرار دمج تعليم البنات مع وزارة المعارف سابقاً ليخدم ضمن أهدافه الرئيسية ترشيد العملية المالية والإدارية والتخطيطيه لقطاع التعليم الأساسي، ومع تقديري لما صدر من قرارات فإنني أرى الإصرار على ميزانيتين مستقلتين لكل قطاع ضمن وزارة واحدة لا يخدم هذا الغرض، وليس له مبرر عملي إداري أو اقتصادي. لكل وزارة ميزانية واحدة تتولى توزيعها على قطاعاتها المختلفة وفق أسس إدارية ومالية واضحة تحت إشراف الجهات المعنية، فهل وزارة التربية والتعليم شاذة في هذا المجال وغير راشدة في توزيع ميزانيتها المفترضة على قطاعيها للبنين والبنات بشكل عادل، مما يضطرنا لوضع ميزانيتين لهذه الوزارة الغير راشدة، في نظر البعض!.

كنت سأعتبر الأمر منطقياً ومقبولاً من الناحية الإدارية لو أشار القرار إلى فترة زمنية محددة انتقالية تبقي الوضع كماهو عليه ريثما تنتهي الترتيبات الإدارية والهيكلية المناسبة في هذا الشأن، أما القرار أتى عاماً ويخص وزارة التربية دون غيرها من القطاعات التي تم دمجها فإن لنا أن نبحث عن إيضاح صريح يقدمه لنا وزير التربية والتعليم وتقدمه لنا اللجنة الإدارية المعنية بالإصلاح الإداري..! تذكروا بأننا نتحدث عن إنفاذ قرارات الدمج السابقة وعن عملية إدارية تنظيمية بحتة وليس عن عملية تغيير اجتماعية، تنسف مبدأ فصل تعليم البنات عن البنين، وهو المبدأ الذي يتفق الجميع عليه وفقاً لما تقتضيه المعايير الشرعية والاجتماعية والإدارية.

أنا لا أرى هيكلة قطاع التربية والتعليم مكتملة بمجرد تخفيف العبء عنها بتحويل الاثار والثقافة إلى قطاعات أخرى لا يكفي، أو تحويل مدارس القطاعات العسكرية لتكون تابعة لها، وإنما هناك حاجة إلى إعادة النظر في الكليات الجامعية التابعة لوزارة التربية والتعليم بشقيها البنين والبنات بإلحاقها إدارياً بوزارة التعليم العالي، وفق صيغة يتفق عليها بضمها للجامعات القائمة أو بجعلها كليات مستقلة. انظر الصيغة المقترحة التي طرحتها في هذا الموضوع بمقال نشر بتاريخ 2003/2/20م بعنوان جامعة الدمام.

حينما نتحدث عن التربية والتعليم فإننا نصنف التعليم إلى تعليم أساسي أو تربوي وتعليم عالٍ وتعليم فني، وكما أطالب بضم الكليات الجامعية التابعة لوزارة التربية والتعليم إلى وزارة التعليم العالي فإنني أراه حان الوقت كذلك لأن يتم تحويل المعاهد العلمية التي تقدم التعليم الأساسي من جامعة الإمام إلى وزارة التربية والتعليم، فليس من مبرر إداري أو علمي يبقي تلك المعاهد تحت إشراف الجامعة سوى الإصرار على التعامل مع الألفية الثالثة بمنطق الماضي، أو بالتعامل مع القضية التعليمية التربوية وفق نموذج تم استيراده من بيئة تختلف مع بيئتنا وتعليمنا، بيئة تعتبر التعليم الأساسي تعليماً لا دينياً وبالتالي استوجب أن تتولى مشيخة أو جامعة تقديم التعليم الديني واللغوي المتخصص. نحن تعليمنا الأساسي تحكمه مبادىء الشريعة الإسلامية وتحوي مناهجه المكتوبة والغير مكتوبة على كم وافر لو أيقنا تعليمه ففيه ما يكفي ويزيد، بالذات في الجانب الديني واللغوي مجال تركيز المعاهد العلمية، فما هو الذي تقدمه معاهد المعلمين تحت إشراف جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ولا يمكن أن تقدمه مدارس التعليم الاساسي؟ أرجو أن لا تكون الإجابة أو المبرر هو ما وصفه زميلنا الاستاذ قينان الغامدي بجريدة الوطن، وأطلق عليه الرهاب الاجتماعي الذي تعانيه التربية والتعليم لدينا.

نحن نحترم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ولا ننتقص هنا من قيمة المعاهد العلمية تحت إشراف الجامعة ولكننا نناقش القضية من منطلق وطني إداري إقتصادي تربوي شامل، يراعي تحديد الاختصاصات ولا يفرق بين المعاهد العلمية ومدارس الحرس الوطني ووزارة الدفاع والهيئة الملكية للجبيل وينبع، التي تم ضمها إدارياً لوزارة التربية والتعليم. لا يمنع بعد أن تضم المعاهد العلمية إلى وزارة التربية وبعد أن توحد جميع المناهج الاساسية في مدارس البنين، تحفيظ القرأن، مدارس البنات، والمعاهد العلمية، أن يتاح المجال سواء للمدارس الحكومية أو الأهلية بإضافة مواد اختيارية، وفق آليات محددة، للمنهج الرئيسي كمواد تحفيظ القرآن، اللغة العربية، اللغة الإنجليزية، اللغة الفرنسية، التربية المهنية، وغيرها.

تطرقنا إلى الكليات واعتبارها مصنفة ضمن قطاع التعليم العالي والمعاهد العلمية واعتبارها ضمن قطاع التربية والتعليم، فماذا عن التعليم الفني والتدريب المهني؟ هل يبقى ضمن مؤسسة التعليم الفني؟ هل تتحول المؤسسة إلى وزارة تعليم فني مستقلة؟ هل تحول كلياتها إلى التعليم العالي ومعاهدها إلى التربية والتعليم؟ هل يتم نقل ارتباطها بوزارة التقنية بدلاً من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية على اعتبار ما تقدمه هو تعليم تقني في الغالب؟ لن أستبق الحدث، إذا كان هناك حدث في هذا الشأن، وإنما أطرح الأسئلة مفترضاً أن تقدم لها إجابة من الجهات المعنية بالهيكلة، لنستطيع القول بأننا أوجدنا هيكلة متكاملة لقطاع التربية والتعليم ذات مبررات علمية وإدارية موضوعية، وبأننا تجاوزنا مجرد التغيير الشكلي في تنظيم هذا القطاع إلى التغيير الجوهري!.

بالتأكيد أكتب هنا عن الهيكل التنظيمي العام لقطاع التربية والتعليم، كأحد الأجهدة التي شملتها الهيكلة الوزارية الأخيرة، مع التأكيد بأن مجرد هيكلة الوزارات المختلفة من ناحية المسميات والاختصاصات والوظائف ليس هو الحل السحري لتطور الخدمات والأداء وإنما المطلوب مزيد من العمل والجهد في تطوير العمل وآلياته ونظمه، والتربية والتعليم ليست إستثناء من ذلك فتوحيد الجهة الإشرافية للتعلم الأساسي سيسهم وضع وتنفيذ إستراتيجية تعليمية شاملة وفق أسس اقتصادية وإدارية أكثر كفاءة. تلك الكفاءة التي لا نراها تكتمل دون وجود خطط تطويرية أخرى تشمل المناهج والكوادر البشرية والبيئات التربوية.. إلخ.

مع أمنياتنا بمستقبل تعليمي وتربوي أكثر إشراقاً.

أضف تعليق