يعتبر التدريب إحدى الركائز الرئيسية التي ترتكز عليها خطط وزارة العمل الجديدة في توطين الوظائف المختلفة، وذلك أمر لا جدال على أهميته، ووزارة العمل تشرف على أكبر مؤسسة تدريبية بالمملكة ألا وهي المؤسسة العامة للتعليم الفني التي يتبعها كليات ومعاهد تقنية وفنية وتشرف على معاهد القطاع الخاص، وبالتالي فإن المراهنة على التدريب تعني المراهنة على أداء مؤسسة التعليم الفني. ترى ما هو التدريب الذي نريد من المؤسسة أن تقدمه أو تشرف عليه؟ بعيداً عن الأعداد نريد تدريباً متميزاً. كيف يأتي التميز؟ عن طريق تكامل عدة عناصر أهمها وأولها العنصر البشري، فماذا قدمت مؤسسة التعليم الفني لتدريب كوادرها وتطوير قدراتهم ليكونوا مدربين أكفاء متميزين؟
الإجابة نجدها بزيارة واحدة لمركز تدريب مهني من مراكز المؤسسة المنتشرة بكافة مناطق ومحافظات المملكة، وهي إجابة للأسف غير مرضية أبداً حيث أستطيع وبلا تردد الإشارة إلى انعدام أو ضعف مستويات التدريب والتطوير للمدربين والمعلمين بمعاهد وكليات المؤسسة.. قابلت العديد من المدربين في أحد مراكز التدريب المهني، خلال زيارة قمت بها لغرض إعداد هذا المقال بعد طلب من أحد مدربي ذلك المعهد، فوجدت أن البعض قضى عشر سنوات أو أكثر ولم يحصل على دورة تدريبية واحدة. والبعض يقوم بتدريس أو التدريب على مناهج ومعدات تجاوزها الزمن ولم تعد تستخدم في قطاعات التوظيف التي سيتعامل معها خريج المعهد المهني.. سألت زملاء بكليات التقنية فلم تكن الإجابة أفضل حالاً، ربما حظي البعض من منسوبي الكلية بنصيب أفضل من حضور ندوة هنا أو دورة هناك لكن التدريب بمعناه المنظم وبمعناه التطويري للأسف شبه معدوم..
في أحد المعاهد المهنية اشتكى مدربو النجارة والحدادة من أنهم يستخدمون أو يدربون على مكائن لم تعد موجودة في السوق حيث إن الموجود بسوق العمل أو أماكن العمل المستقبلية لأولئك الطلاب أحدث بكثير مما هو موجود بالمعاهد المهنية وقد رأيت آلات مهترئة تجعلني أرثى لحالهم ومعاناتهم في هذا الشأن.. حاولت أن أكون منظّراً فدافعت بأن التوجه الآن نحو التدريب المشترك وبالتالي فليس بالضرورة أن يمتلك المعهد أحدث الآلات بل يمكنه الاستفادة مما هو موجود بالمصانع والشركات المختلفة، فكانت الإجابة من أحد المدربين لكننا نحن المدربين بحاجة إلى التدريب على تلك الآلات الحديثة التي قد يتدرب عليها طلابنا بالشركات.
سأذكر مثالاً أو وجهاً آخر للتدريب ويظل تركيزي على المعاهد المهنية؛ قامت المؤسسة خلال السنوات القليلة الماضية بتحديثات عديدة في المناهج أو ما يسمى الحقائب التدريبية وفي النظم الدراسية للمعاهد والكليات المختلفة لكنها كانت تغييرات أتت من الأعلى دون تدريب لمن سيقوم بتنفيذها. قابلت مدربين بالمعهد المهني يشتكون من نظام الدراجات وتوزيعها الذي فرض بإحدى الحقائب التدريبية واطلعت على تفاصيل الخطة وقضيت بعض الوقت في شرح نظام الدراجات وهو جيد من وجهة نظري، كعضو هيئة تدريس (منظّر)، لكن الإشكالية تكمن في تصميمه وفرض تطبيقه دون تدريب وتهيئة مناسبة ودون مراعاة للبيئة والخلفية العلمية والعملية لمن سيتولى التنفيذ.. كيف تتوقع المؤسسة أن يستوعب مدرب بالمعهد المهني يحمل الدرجة الابتدائية وشهادة المعهد المهني فقط تعليمات وطرقاً حديثة، ربما تصلح للتعليم العالي أكثر منها للتدريب التقني، بعد عشرين سنة من الممارسة دون تدريب وتهيئة كافية؟
لا أريد تقديم نصائح وشرح فلسفات في التدريب، لكنني أدعو وزير العمل، معالي الدكتور غازي القصيبي، وهو الذي لا ننسى زياراته الفجائية والسرية لمستشفيات الصحة إبان توليه وزارة الصحة، أن يقوم بالعمل نفسه مع قطاعات وزارة العمل وأهمها معاهد ومراكز وكليات التدريب بمختلف المناطق المختلفة، فليس من رأى كمن سمع.