هذا المقال كان محور سؤال وجه إلي من قبل مجلة اليمامة، حول رأيي في موضوع المطالبة بإلغاء التخصصات النظرية بالجامعات السعودية. هناك عدة أسئلة نحتاج إلى طرحها قبل الولوج في صلب القضية المتعلق بإلغاء أو تقليص البرامج الجامعية في التخصصات النظرية:
أولاً: هل التعليم الجامعي هدفه الأساسي التوظيف؟ أم أن الجامعة مسؤولة فقط عن التعليم بغض النظر عن حصول خريجيها على وظائف مناسبة أم لا؟
ثانياً: ما هو تعريف التخصصات النظرية؟ هل نضع تدريس القانون وعلم الإجتماع والتاريخ والتربية الخاصة والثقافة الإسلامية واللغة العربية وغيرها من التخصصات التي درج الناس على تسميتها بالتخصصات النظرية في بوتقة واحدة؟
ثالثاً: هل احتياجاتنا من تلك التخصصات متماثلة؟ وهل هناك فائض من الخريجين في جميع التخصصات النظرية؟ هل لدينا إحصائيات دقيقة في هذا المجال؟
رابعاً: اين يذهب خريج القسم الأدبي من الثانوية العامة، إذا كانت الكليات التقنية والصحية وغيرها من بدائل التعليم الجامعي لا تقبل هؤلاء و لا توجد لهم برامج مهنية تدريبية توظيفية خاصة بهم؟ هل الأولى تقليص البرامج (النظرية) بالجامعات أم تقليص مخرجات الأقسام الأدبية كمقدمة لتقليص الإلتحاق ببرامج العلوم الإنسانية أو النظرية أو الأدبية، حسب التعريف الذي يتفق عليه؟
خامساً: ما هي البدائل المتاحة لخريج القسم أو البرنامج النظري؟ هل من الضرورة إلحاق الجميع بالوظيفة العامة أم أن هناك مسارات أخرى يمكن تأهيل خريج القسم النظري ليستفاد منه بشكل أفضل؟
إذا القضية أكبر من مجرد الإجابة على السؤال المتعلق بإلغاء البرامج النظرية في الجامعات. القضية لها أبعاد عديدة تحتاج نقاش قبل إصدار الحكم النهائي بالإلغاء أو الإغلاق…
أضيف بأن مشكلة تخصصات العلوم الإنسانية لدينا تكمن في تدني مستوى جودتها، التي جعلتنا نعتقد بأنها تخصصات هامشية لا قيمة لها عمليا، وهو تدني مخيف جداً يتطلب منا كما نناقش الإلغاء أن نناقش أسباب تدني المستويات والمخرجات. سأوضح هنا بمثال: ما هي أكبر إشكالية واجهتها و لا تزال تواجهها المملكة خلال السنوات الأخيرة؟ إنها مشكلة الإرهاب والتطرف والإضطرابات الحاصلة على المستوى الإجتماعي والأسري والثقافي، فمن يا ترى مسئول عن دراسة وتحليل وحل تلك الإشكالات؟ إنه المتخصص في العلوم الإجتماعية والدينية والثقافية والسيكولوجية وغيرها من التخصصات التي توصم بالنظرية؟
الإجابة توحي لنا بفشل الدراسات الإنسانية والمتخصصين في مجال الدراسات الإنسانية (الدينية والإجتماعية والثقافية والإنثروبولجية وغيرها) في رصد التغيرات وتحليلها و استنباط حلولها، وعليه نجد أن إغلاق التخصصات النظرية سيكون مضراً واستمرار تقديمها بهذه السطحية غير مجد. نحن بحاجة للبحث بشكل أعمق في الارتقاء بتلك التخصصات، ولا باس من ترشيد مخرجاتها لأجل هدف التطوير، أما الإلغاء التام، كما ينادي البعض فيحتاج إعادة نظر…