البيئة والسمات الفكرية و الإدارية

الحديث عن السمات القيادية وكيفية بروزها يقود للحديث عن بعض المؤثرات التي يعتقد بعلاقتها بالتطور الفكري والإداري. هناك من يربط بين المناخ والطبيعة البشرية أو طريقة التفكير البشرية، فسكان المناخ الاستوائي مثلاً يميلون إلى الخمول أو عدم الجدية في العمل اليدوي أو المزاجية في العمل، وذلك بسبب تأثرهم بالأجواء الحارة التي تحيطهم، بينما سكان المناطق الباردة يميلون إلى الجدية بشكل أكبر في العمل، لأن المزاج البشري يكون أقل تأثراً بالبرودة منه بالحرارة. نحن لا نغضب وننفعل في الشتاء مثلما نغضب وننفعل في الصيف. سكان المناطق الباردة يحظون بكميات نوم متصلة أوفر، مقارنة بسكان المناطق الحارة ولذلك تأثيره على الحالة المزاجية.

هناك من يربط بين البيئة من ناحية التضاريس والطبيعة الشخصية، فسكان المناطق المرتفعة يكونون أكثر انفعالا من سكان المناطق الصحراوية، ربما لاتساع الأفق البصري أمام كل منهم، أو ربما لتغييرات فسيولوجية يحدثها جودة وحجم الأكسجين حيث ينقص في الأماكن المرتفعة، أو لطبيعة الأرض حيث الصحراء تأتي ممتدة بلا عقبات تذكر بينما المرتفعات تكونها عادة الحجارة والصخور التي تشكل عقبات عملية.

هناك من يربط بين الطبيعة المهنية والطبيعة الفكرية فالمزارع على سبيل المثال يضطر للعمل متعاونا مع جيرانه وأقاربه في مواسم الحصاد ويحتاج للتخطيط للموسم التالي كما أن أعداءه مكشوفون أمامه كالطيور التي تهاجم زرعه، بينما الراعي لا يحتاج إلى التعامل مع أعداد كبيرة من الناس بل إن طبيعة الترحال لديه تتطلب الحمل الخفيف والعدد القليل من الناس، والراعي عادة لا يجد عدوه مكشوفاً أمامه حيث يحاول الذئب واللص التسلل على أطراف الماشية وفي غفلة من الراعي. من هنا نجد الراعي يكون أكثر حذراً و لا يطمئن كثيراً للآخرين باستثناء الفئة المقربة منه بينما المزارع يبدو أقل حذراً في الاحتياط من الأعداء فهو ينتظر أن يراهم أمام عينه يغزون زرعه.

هي تأملات من إنسان غير متخصص في مجال الدراسات الاجتماعية والإنسانية، أختمها ببعض الأسئلة: هل فعلاً توجد سمات محددة لكل فئة بناء على طبيعة الأرض التي تسكنها والمناخ الذي تعيشه والمهنة التي ترتزق منها؟ هل تبقى هذه السمات لدى الأفراد حتى بعد تحولهم من بيئة إلى أخرى، كتحولهم للعيش في المدن على سبيل المثال؟ هل فعلاً تعتبر البيئة بمكوناتها أعلاه هي المحفز أو المشكّل الرئيسي لطبيعة القيادات الإدارية والمهنية؟ هل التربية الحديثة تحيد تأثير البيئة أم أن مؤثرات المناخ والتضاريس والمهن الأساسية للآباء والأجداد تفوق كل جهد تربوي يراد منه تشكيل قيم وتوجهات أكثر تجانساً وحداثة؟ بلادنا حباها الله بتنوع مناخها وتضاريسها ومهن أهلها الأساسية، فهل مطلوب منا الحفاظ على هذا التمايز أم صقله في بوتقة تعريفية واحدة، ضمن سياقات محددة؟

أضف تعليق