عندما تأتي المقارنة بين المرأة والرجل نذكر بأن هناك اختلافات فسيولوجية وتشريحية بين الجنسين، وغالباً ما يختصر البعض اختلاف المرأة عن الرجل في وظائف الحمل والولادة وما يصاحب ذلك من تغيرات هرمونية ووظيفية مختلفة، ولكن ماذا عن الطفل والطفلة قبل البلوغ وقبل مرحلة التأثير الوظيفي للهرمونات الذكرية والأنثوية، هل هناك اختلاف عضوي بينهما، أم أن الاختلاف مجرد فروقات اجتماعية في توزيع الأدوار والتعامل مع كل منهما؟
مع تجاوز ابني عامه الأول، بدأت ألاحظ طريقته في اللعب والتصرف المختلفة عن طريقة أخته الكبرى حينما كانت في نفس العمر تقريباً، وتأكد لي بأن الأولاد يختلفون عن البنات، في طريقة تعبيرهم ونموهم وتعلمهم وتفاعلهم، وفي هذا السياق شدني الاستماع إلى أحد الباحثين المتخصص في هذا الشأن، بل وقادني ذلك إلى متابعة مؤلفاته، التي أشارك القارئ بنبذة مختصرة عن أحدثها في هذا المجال، هذا الباحث التربوي هو ميكل جوريان ـ صاحب الخبرة الواسعة ومؤلف أربعة عشر كتابا في مجالات التربية والتعليم ـ من مؤسسة جوريان وجامعة ميسوري بكنساس، يقدم لنا عبر مؤلف شيق حديث(1)، اجابات علمية تم تطبيقها والتحقق من نتائجها عملياً وميدانياً، تثبت وتوضح حقيقة أن الأولاد ينمون ويتعلمون بطرق مختلفة عن البنات أو أن البنات يتعلمن بطرق مختلفة عن البنين، بناء على أدلة معتمدة على النمو الجسمي والعصبي والعقلي الهرموني والنفسي والسلوكي للطفل، فتى كان أو فتاة، والبحث عن تكييف وسائل وطرق التعليم والتربية لتناسب مع تلك الفروق أو المميزات التي يحملها كل جنس دون الآخر، والتي تصل إلى اقتراحه بفصل تعليم البنين عن البنات في مراحل دراسية وعمرية معينة…
* مما يبعث الاطمئنان في الأفكار التي عرضها الكتاب، هو إخضاعها للتجربة عبر مدرسة أمريكية كانت تعاني قبل 1993م، أي قبل أن تتولاها ادارة جديدة تتبنى نظريات/ أفكار جوريان التعليمية، من كونها الأسوأ على مستوى الولاية بناءً على الاختبارات التقييمية الموحدة بالولاية، وفي عام 1999م، أي بعد ست سنوات من البدء في تطبيق أفكار هذا الكتاب، كانت النتيجة المذهلة هو حصول تلك المدرسة على نتائج ضمن أفضل خمس مدارس بولاية ميسوري، حيث لم يرسب في الامتحان الموحد، بشكل يتطلب الإعادة، سوى طالبين من أربعمائة طالب بتلك المدرسة، ليس ذلك فقط بل حققت تلك المدرسة نتائج مذهلة في تناقص حالات تسرب الطلاب الدراسية التي يتم إرجاعها إلى عوامل تربوية واجتماعية..
* في الفصل الأول من الكتاب أسس المؤلف لما أورده من أفكار بمراجعة شاملة للنمو العصبي والهروموني والسيكولوجي للفتى والفتاة، حيث أحصى خمسة وثلاثين اختلافاً ما بين الذكور والإناث في مجال النمو العصبي الفسيولوجي والهروموني، وربط نمو كل جزء من الدماغ والجهاز العصبي في الذكور والإناث بوظائفه وانعكاس ذلك على نمو وطريقة تعلم الفتى والفتاة، فعلى سبيل المثال، نجد الجزء المعروف بالجسم الجاسئ من الدماغ، المعني بالربط بين النصفين الأيمن والأيسر من الدماغ، يكون أكبر لدى الفتاة من الفتى مما يجعلها أكثر قدرة على أداء الوظائف المتعلقة بتناسق أداء الشق الأيسر والأيمن من الدماغ بشكل أفضل من الفتى.. كما أن الفص الأمامي للدماغ والمتحكم في العواطف والكلام والتفكير أنشط لدى الفتاة منه لدى الفتى مما يجعل الفتاة أكثر تميزاً في المراحل الدراسية الأولى في تطوير مهارات التواصل اللفظي والعاطفي، على افتراض تساوي فرص التربية والتعليم بين الجنسين… وهكذا الفروقات عديدة لا أريد استعراضها كاملة، لأن ذلك ليس الهدف من نشر المقال…
* في الفصل الثاني، ينهي المؤلف من شرح طبيعة النمو التشريحية والفسيولوجية إلى ربط ذلك بطرق التعليم، فعلى سبيل المثال، يستنتج بناء على طبيعة النمو بأن الأولاد يميلون إلى ما يعرف بالطريقة الاستنتاجية في طريقة استيعاب الأمور، بينما تميل الفتيات إلى الطريقة الإستقرائية في طريقة استيعاب الأمور، وبالتالي فإن الأولاد يجيدون بشكل أفضل من الفتيات في اختبارات ذات طبيعة استنتاجية كتلك المعتمدة على الخيارات المتعددة، لقدرات سرعة الاستنتاج واستنباط العلاقات بين الأشياء، وفهم الصورة العامة والشاملة للموضوع بشكل أسرع، بينما نرى الفتاة أكثر إجادة في عملية الوصف وبناء تفكيرها أو استنتاجاتها من مثال أو أمثلة محددة تمكنها من استيعاب النظرية أو الفكرة في الموضوع.
= في اللغة نجد الفتاة أكثر قدرة على الحديث، وربما يفسر ذلك كثرة حديث المرأة بشكل أكثر من الرجل، حتى تكبر، وبالتالي فالفتاة تفضل التعلم عن طريق الحديث والمشاركة، بينما الأولاد الأكثر قدرة على تخيل الأشكال دون رؤيتها أو لمسها، وبالتالي نجدهم أكثر تميزاً في العلوم المتعلقة بتخيل الأشكال الهندسية أو تلك المعتمدة على الخيال كمواد الرياضيات.
* في الباب الرابع، وتم تقسيمه إلى عدة فصول، شرح المؤلف انعكاس ما توصل إليه في الأبواب السابقة على كل مرحلة تعليمية، من الروضة حتى نهاية المرحلة الثانوية، بما في ذلك ما يتعلق بالفئات الخاصة وذوي صعوبات التعلم، حيث قدم كثيرا من الأفكار لكيفية تطوير الفصل الدراسي وطرق التدريس بناءً على المعطيات السابقة في البابين الأول والثاني، بشكل يسهل أولاً فهم كيفية إيصال المادة العلمية لكل من الفتى والفتاة، وفي كيفية تنمية المهارات التي قد تكون ضعيفة لدى جنس المقارنة بالجنس الآخر، ففي مرحلة الروضة مثلاً، يقترح محاولة تعليم الأولاد الخياطة (بشكل يتناسب مع المرحلة العمرية) حيث العمل الدقيق مثل استخدام الخيط والإبرة يشكل تحدياً للأولاد، وفي نفس الوقت استخدام مكعبات ومجسمات كبيرة لتعليمهم الحروف والحساب لأن تكوينهم العقلي يعطيهم ميزة في التعامل مع المجسمات، أي محاولة تقوية نقاط الضعف لديهم وكذا استغلال نقاط القوة، أما بالنسبة للفتيات فيفضل إشراكهن في لعب الكرة أو العمل الجماعي في هذه المرحلة، لتقوية جانب الضعف لديهن المتمثل في ضعف مهارات القيادة والعمل الجماعي وميلهن للتفكير والتأمل المتفرد، واستخدام وسائل بصرية ولفظية مع الإكثار من الأمثلة في تعليمهن… الخ.
* هكذا ينطلق المؤلف في شرح انعكاسات الفروقات على كيفية التعلم، وتبرز أحد نقاط الجدل، حين يدعو المؤلف إلى فصل البنات عن البنين في بعض مراحل التعلم، ما بين العاشرة والسادسة عشرة تقريباً، بناء على أسس علمية وليست دينية في النمو والبلوغ، حيث يرى المؤلف الحاجة إلى تطوير وسائل تعليم مختلفة لكل جنس في هذه المرحلة، كما ينطلق من الاختلافات الهرومونية والفسيولوجية والحركية والعصبية في هذه المرحلة وما يرافقها من توقعات اجتماعية وسيكولوجية تتطلب مثل هذا الفصل لتقليل نسبة التسرب الدراسية، الحاصلة في هذه المراحل العمرية وهي دعوة خارج إطار النقاش في مجتمعنا المحلي ولكن في المجتمع الغربي، ظلت هذه الدعوة مثار جدل وبدأت بعض المدارس في تبنيها، بناء على أسس علمية، حيث تبنتها بعض مدارس ميزوري وكالفورنيا وفرجينيا، فيما بين الصفوف الخامس والسادس والسابع تقريباً، وقد أثبتت التجربة نجاحها، حسب مقاييس الاختبارات المعيارية وحسب نسب التسرب الدراسية المسجلة بتلك المدارس…
* ما يقدمه ذلك الكتاب مفيد ليس فقط في بيئة يتم التعلم فيها بشكل مختلط بين البنين والبنات، بل حتى في بيئات كبيئتنا التعليمية التي تفصل البنين عن البنات، لأنه يحوي على أفكار مفيدة في التعليم والتربية، مبنية على أسس علمية تتجاوز الاعتقاد بأن لا فرق بين البنت والولد في مجال التعلم، وفي مجال التربية في المنزل والمدرسة وفي النمو، بل أراه يعطي مؤشرات تنفي إمكانية تساوي المرأة والرجل في بعض المجالات، كمجالات العمارة أو الهندسة، المعتمدة على التخيل وفهم الفراغات بشكل تخيلي لا يتناسب مع تركيبة المرأة العصبية والفسيولوجية، مع التأكيد ان استعراضي لهذا الكتاب ليس القصد منه تفضيل جنس على الآخر، بقدر ما هو تأكيد وتوضيح لبعض ما هو موجود من اختلافات تتجاوز مجرد الأدوار الاجتماعية، وقضية الحمل والولادة، إلى النمو والتركيب النفسي والعصبي والعضوي والذي يسهم متى أدركناه في كيفية تطوير أدواتنا التعليمية والتربوية لكلا الجنسين البنين والبنات، وبأنه ليس كافيا مجرد الفصل بين فصول أو مدارس البنين والبنات في المجال التعليمي دون فهم وإدراك ما تتميز به الطالبة أو الطالب من خواص نمو عضوية وفسيولوجية وسيكولوجية، تستحق الانتباه في الممارسة التعليمية والتربوية اليومية..
دعائي لكل أبنائنا وبناتنا بالتوفيق.
——
(1) Michael Gurian (2001). Boys and Girls Learn Differentially: The Best Kept Secret in Education. Jossey – Bass, A Wiley Company, San Francisco.