حينما كتبت مقال «قنواتنا التلفزيونية: أسئلة استراتجية» (2/4/2006م) كنت أود عدم الولوج في التفاصيل والاكتفاء بالتساؤلات العامة، لكنني فوجئت بأحد الإعلاميين يتهمني بأنني من أولئك الذين لايعجبهم نجاح العناصر الوطنية في المجال الإعلامي، وكجزء من الجدل الذي دار بيننا اتفقنا على أن أشاهد ثلاثة برامج بقناتنا الإخبارية، التي كان يدافع عنها، وأن أتنازل عن قناعتي بالاكتفاء بتوجيه الاسئلة العامة وأبدي رأيي بتلك البرامج التي اختارها ذلك الزميل.. اليوم أكتب لكم عن مشاهدتي لثلاث حلقات من ثلاثة برامج تعرض بقناة الإخبارية.
البرنامج الاول «من الإخبارية» والحلقة التي شاهدتها كان ضيوفها طلاب كلية العلوم الطبية التطبيقية الذين تحدثوا عن مكافأة (الامتياز). الحلقة كانت مثيرة في جانبها العاطفي، حيث تحدث الشباب بحماس كبير عن قضيتهم، لكن من الناحية المهنية أرجو أن يسمح لي القائمون على البرنامج بالقول بأن العاطفة كانت طاغية والموضوعية غائبة، فالمذيع حكم أو تعاطف مع الطلاب دون أن يشرك في حلقته أحداً من مسؤولي وزارة التعليم العالي أو الجامعة أو حتى المهتمين أو المتخصصين بمجال التعليم الصحي.
البرنامج الثاني كان «دوائر» وشاهدت منه حلقتين مع سعادة وكيل وزارة الصحة للشؤون التنفيذية وعضو من أعضاء مجلس الشورى لاعلاقة له بالقطاع الصحي. كان الهدف المعلن من اللقاء هو مناقشة دراسة النظام الصحي الجديدة والمقترحة من قبل مقام وزارة الصحة. للأسف برز واضحاً ضعف إعداد أو تقديم الحلقتين، فلا الضيف أعطي فرصة للحديث عن الدراسة أو النظام ولا المذيع حضر أسئلة حول الموضوع ولا الضيف الآخر كان ملماً بالنظام الصحي (بحكم عدم تخصصه) وإنما أخذ الحوار منحى الإثارة وتحول إلى مناقشة قضايا وشكاوى فردية بطريقة عاطفية مثله مثل سابقه برنامج من الإخبارية.
البرنامج الثالث كان «برسم الصحافة» وقد فوجئنا في تلك الحلقة بتقديم شخص متخصص في الرسم الهندسي على أنه معالج غذائي يعالج بورق الملفوف ويدعي أنه يشفي 300 مرض بما فيها أمراض السرطان. الخبير الذي قدمته القناة يعالج في منزله وليس لديه أي تخصص صحي أو طبي وليس لديه تصريح بالممارسة، ووصلت الإثارة إلى أن يسمح البرنامج لذلك المعالج بتقديم وصفات علاجية على الهواء مباشرة لأحد مرضى السرطان، وهذا لايجوز حتى ولو كان من استشاري في علاج الأمراض السرطانية. لا أعلم كيف تتجرأ قناة رسمية يشاهدها آلاف المشاهدين بتغليب الإثارة والقيام بدعاية مجانية لذلك الخبيرمتجاوزة كل الأعراف الإعلامية والصحية. نفس فكر البرنامجين السابقين، إعداد متواضع، وإثارة غير موضوعية.
تلك عينة من برامج لها أسماء مختلفة، لكنها جميعاً تفتقد الموضوعية وتتسم بالسطحية وتشترك في البحث عن إثارة مشاعر المشاهد، دون أن يوجد خط أو توجه واضح لكل برنامج يميزه عن الآخر. إن ما يميز الصحافة الصفراء عن الصحافة الجادة هو جعل الإثارة ثم الإثارة الهدف الرئيس لتلك الصحافة وأخشى أن نتهم قناة الإخبارية بأنها تتحول إلى (قناة صفراء)…