الإحساس.. الثقة.. الدعم: الروح الغائبة في الصحة

وتتجاوز علل جهاز وزارة الصحة، مجرد ضعف وقدم النظام الصحي، ومجرد نقص بعض الإمكانيات. إلى تمسك الجهات القيادية بها بمسلكيات تتعارض ومبادئ العمل الإداري الجماعي الشامل والناجح، مسلكيات اكتب عنها، على اعتبار الطرح حول التنظيم الإداري والأداء الإداري الصحي بوزارة الصحة، يتطلب تجاوز نص النظام والأنظمة إلى الروح والبيئة التي في ظلها تنفذ التعليمات والنظم واللوائح. هذه الروح اختزلها، أو أمثل لها، بثلاث من السلوكيات التي تمثلها المفردات الثلاث: الإحساس واقصد به الإحساس بالعاملين في القطاع وبالعملاء المرضى وذويهم في الميدان، الثقة واقصد بها الثقة في العاملين في القطاع وتحميلهم أو اعطائهم الصلاحيات للإبداع والانتاج في أجواء تعززها الثقة والمحبة؛ وأخيراً الدعم، واقصد به دعم المبادرات التي تأتي من الآخرين سواء كانوا منتمين لنفس القطاع أم من خارج القطاع، فلنتأمل مدى توفر هذه المفردات بالأداء الإداري القيادي بوزارة الصحة.

الإحساس نعمة تعيد التوازن إلى حياتنا، فالمواطن يحس بالمسؤولية فيحافظ على النظام، والطالب يحس بأهمية العلم فيبادر إلى الاجتهاد، والمعلم يحس بالمسؤولية فيخلص في شرح الدرس، والمحب يحس بمشاعر الحبيب فيبحث عن سعادته، والمسؤول الناجح يحس بمعاناة المواطن فيبحث عن حلول تقلل المعاناة أي أن مفردة الإحساس تتحول إلى واحدة من أهم المفردات المهمة في حياتنا، وفي المجال الطبي بالذات تزاد أهميتها حيث الإحساس هو الدافع للبحث عن علاج، فالمريض يتجه للطبيب لا ليقول له يا دكتور أشعر بارتفاع في كريات الدم والتهاب في الأذن الوسطى وارتفاع في انزيمات المعدة، وحصوة في المرارة، وإنما تعبيره الأول هو، أحس بأوجاع يا دكتور، أحس بدوخة يا دكتور، أحس بألم يا دكتور.. الخ ولذلك فإن أول ما يتعلمه الطبيب هو سؤال المريض عما يحسه من أوجاع وآلام ومصاعب، ودون ذلك يظل تشخيص المريض ناقصا وربما لا قيمة له. بمعنى آخر مفردة الإحساس في الطب تزداد أهميتها وترتقي لتصبح لفظة رئيسية في القاموس الطبي والعلاجي، فهل يا ترى يرتقي إحساس الإداري الصحي بأوجاع الجهاز الطبي؟ هل يرتقي إحساس الجهاز الإداري المعني بالخدمة الصحية بأوجاع المواطن؟.

بعيداً عن الإجابة المباشرة، اتساءل حينما أقرأ الأخبار المحزنة عن الخدمات الصحية، وحينما أعلم بزيارات المسؤولين بوزارة الصحة المتكررة للمراكز الصحية، واطلاعهم على ما يحدث عن كثب، هل تم التغلب على تلك السلبيات التي قرأها ورآها وسمعها أولئك القياديون، أم ان الموضوع أصبح روتينيا وبتكراره تبلد الإحساس، ولم يعد يدرك أو يحس ما يعانيه المواطن من صعوبات في الاستفادة من الخدمة الصحية، ومدى تأثير السلبيات تلك على المواطن وعلى المجتمع وعلى مستقبلنا الصحي والاقتصادي والاجتماعي؟ وفي الإحساس هل أحس المسؤول الصحي أياً كانت درجته، بمعاناة موظفيه في الميدان؟.

الخطورة الكبرى في انعدام الإحساس هي تضاعف المشاكل الصحية، فمريض السكري حينما يفقد الإحساس بأحد اطرافه يصبح عرضة للاصابة بجرح أو نزيف دون ان يشعر بذلك، ويصبح عرضة لتلوث ذلك الجرح وحدوث الالتهاب، وقد يصبح لزاماً في النهاية اللجوء إلى عملية البتر كعلاج وحيد، فهل نتهم المعنيين بنقص الإحساس بأوجاع الجهاز الصحي، الذي يئن ويصرخ ويتألم، حينما لا نرى تقدماً في العلاج وإعادة إحساس الرضا بالخدمة الصحية على محيا المواطن العادي؟ هل ننادي بالبتر للعضو فاقد الإحساس كعلاج أصبح حتمياً، أم انه لا زال هناك أمل في علاج أقل ألماً من البتر..!

المفردة الثانية الغائبة والتي تصلح عنواناً للسلوكيات الإدارية بوزارة الصحة، هي الثقة، ولا نتحدث عن ثقة المتلقي في الخدمة الصحية، فهذه قضية يطول تفصيلها، ولكن الثقة بين العاملين في القطاع الصحي، ثقة قمة الهرم في وسطه وسفحه وقاعدته. لا أعلم كيف يدار قطاع بهذا الحجم دون الثقة في منسوبيه، بأنهم قادرون على القيام بالمهام المنوطة بهم على أفضل وجه ممكن. حينما يصبح أكثر من تسعين بالمائة من شاغلي مناصب مديري الشؤون الصحية ومديري العموم ومديري المستشفيات والإدارات الصحية، مكلفين لمدد لا تزيد عن عام واحد، تكون هناك علامات استفهام كبيرة حول ثقة القيادة بالكفاءات العاملة بالوزارة، حينما يبقى منصب وكيل وزارة الصحة شاغرا لمدة تزيد على ست سنوات، ويتولاه مكلف يجدد له كل عام، يأتي السؤال، هل خلا البلد من الكفاءات التي يمكن أن نطرح فيها الثقة لتولي المناصب القيادية والإدارية بوزارة الصحة؟.

أنا أعلم بأن النظام يجيز من الناحية القانونية تكليف الآخرين للقيام بأعباء المنصب الإداري لفترات مؤقتة، لاعتبارات إدارية مثل عدم اكتمال مسوغات التعيين للموظف أو شغور المنصب بشكل مفاجئ… الخ، ولكن أن يكون هذا مسلكاً رئيسياً يدوم على مدى سنوات وفي جل الإدارات والمناطق الصحية، فإنني لا ألام حين استنتج بأن المعني بإقرار تلك التكليفات يهدف من وراء ذلك إلى استمرار الضغط النفسي على المكلف، وابقائه تحت السيطرة والقلق أو الخوف من فقدان المنصب في أية لحظة، من مبدأ عدم الثقة في كفاءته أو ولائه للقيادي الصحي.

من المعروف بأن قرار التكليف يعتبر مؤقتا حتى وان طال أمده وتم تجديده، وانعكاس ذلك على العمل يتمثل في عدم التطوير والجمودة، لأن المكلف ليس لديه الاستعداد لبناء خطط طويلة الأجل وليس لديه الاستعداد لتنفيذ خطوات تطويرية يجني ثمارها من يأتي بعده، وليس لديه استعداد لرفع صوته بالمطالبة أو الاقتراح لأنه بمجرد توقيع من المسؤول يمكن ان يفقد منصبه الوظيفي الذي كلف به. ترى كيف يخلص الموظف في عمله وهو محل شك وعدم ثقة من قبل المسؤول؟ هل توجد تبريرات مقنعة لكثرة التكليفات بوزارة الصحة.

المفردة الثالثة المتوارية عن مسلكيات القيادة الصحية بوزارة الصحة، هي دعم المبادرات الإيجابية والحث عليها. نعم لا يمكن التصريح بمحاربة تلك المبادرات، علنا، ولكن الصمت وعدم الدعم الإداري والإعلامي يأتي كأبلغ دليل على عدم الترحيب بها، وكأن كل ما يأتي من خارج كابينة القيادة الصحية، لا يستحق الالتفات…! فهذه مبادرة رجال الأعمال الجميلة في المنطقة الشرقية، وبمؤازرة من المعنيين بالمنطقة وعلى رأسهم صاحب السمو الملكي أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه الكريمين، أثمرت عن توسعة مستشفى الدمام المركزي، بل وعن إنشاء أول مركز جراحة قلب بالمنطقة الشرقية، مركز كانو، ورغم علم وزارة الصحة بقيام المركز والبدء في إنشائه، فهاهي إنشاءات المركز تنتهي ويصبح جاهزاً للعمل ووزارة الصحة لم تهيىء بعد الطواقم الطبية والإدارية والفنية اللازمة لتشغيله، حتى ان أولى العمليات التي أجريت به تمت عن طريق طاقم طبي من الخدمات الطبية بالقوات المسلحة وذلك بتوجيه من لدن صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز وزير الدفاع والطيران، فأين كانت وزارة الصحة غائبة طيلة فترة الإنشاء عن تجهيز متطلبات التشغيل، وبالذات في مجال الكوادر البشرية؟ ألا يعني ذلك عدم اكتراث وعدم اهتمام بالمبادرات الخيرة كتلك التي قام بها، كانو وزملاءه، رجال الأعمال بالمنطقة الشرقية؟ ألا يفترض الإسراع بدعم تلك المبادرة وإشهارها بالقدر الكافي لتكون نموذجا يحتذى، بدلاً من انتظار حفل الافتتاح بحثا عن مقاعد المقدمة التي تضمن تسليط فلاشات الإعلام؟!.

هذا المسلك ليس بجديد، فقد صرح أحد رجال الأعمال المشهورين بتبنيهم إيجاد مراكز صحية خيرية، قبل عدة سنوات، بأنه اقترح إنشاء أو توسعة مركز في أحد التخصصات الصحية بإحدى المناطق على ان تتولى وزارة الصحة تشغيله فاعتذرت الصحة عن الموافقة بحجة عدم قدرتها على التشغيل، هل يعقل ان نقتل مبادرة بناء أو توسعة مركز صحي، كتلك لمجرد عدم قدرتنا على توفير بعض الكوادر؟ وبالمناسبة في ذلك التخصص الذي تبناه فاعل الخير تتوفر الكوادر الوطنية والعربية بكثرة. ألم يكن بالإمكان العمل على توفير الكوادر المختلفة خلال فترة الإنشاء؟.

القضية كما أراها، ويمكن للآخرين تصحيح وجهة نظري هذه، هي ليست قضية إمكانات وكوادر وإنما عدم حماس وتفاعل القائمين على وزارة الصحة مع المبادرات التي يقوم بها الآخرين. وحتى في المبادرات الأخرى غير الإنشائية، مثل قيام مجلس الخدمات الصحية بمنطقة مكة المكرمة، برعاية أمير المنطقة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز، الذي لم نسمع رأيا صريحا لقيادة وزارة الصحة حوله وكيفية الاستفادة منه، ولم نلحظ تبنيه إعلاميا وإداريا، كما يحدث مع تبني مشاريع تغيير الملايات والكراسي بمجمع الرياض الطبي، مع تقديرنا لمجمع الرياض الطبي، لسبب بسيط وهو غياب المؤازرة وعدم الرغبة في دعم الأفكار والخطوات التي تأتي من خارج قمة الهرم القيادي بوزارة الصحة.

مرة أخرى أرى انه اصبح لزاماً علينا تجاوز الثلاثية التبريرية المعهودة: قدم النظام ونقص الموارد ووعي المواطنين في كل تقصير يعتري أداء جهاز وزارة الصحة، والالتفات إلى أو إضافة مبرر رئيس يتمثل في المسلكيات الإدارية والشخصية التي تحولت إلى معوقات تقف في طريق التطوير، والتخطيط والتنفيذ المناسب في الخدمات الصحية. لابد من إعادة الثقة للكوادر العاملة بوزارة الصحة، لابد من الإحساس بمشاعر وهموم الآخرين موظفين أو مواطنين، لابد من الحث على ودعم المبادرات الأخرى التي تأتي من خارج وزارة الصحة وتصب في مصلحة الخدمة الصحية على مستوى الوطن. دون ذلك سيفقد النظام الصحي والأداء الإداري الصحي روحه المرنة ويتحول إلى مجرد نصوص جامدة وجافة يفهمها القائمون على وزارة الصحة بشكل أكبر كمبررات ومسوغات تبريرية أكثر منها تطويرية.

أضف تعليق