بعضكم ربما يستنكر كتابتي في موضوع يتعلق بتعليم البنات, لأن تعليم البنات أصبح من المواضيع الروتينية التي يطرقها الكثيرون, حتى ان النكتة غدت بأن من لا يجد موضوعا للكتابة فعليه بنقد تعليم البنات, وقد كدت أن اقتنع بوجهة النظر هذه, لكثرة ما يكتب, ولوجود الأمل بأن هناك من ستأخذه الحمية ويثبت لنا بأن ما يطرح حول تعليم البنات ما هو إلا انطباعات ينثرها النقاد من باب الغيرة من نجاحات هذا المرفق الحيوي في بلادنا, أو من باب استسهال الكتابة في هذا الموضوع الذي لا يتطلب من الكاتب الاتيان بمصادر أكثر من تشتكي الطالبات ونقلت لي المعلمة, ومن ذا يجرؤ على التأكد من شخصية المعلمة أو اسم الطالبة.. ولكنني أعلن بأن الوضع في تعليم البنات أكبر من مجرد نكتة ويتجاوز مجرد الخطأ الفردي, والحوادث العابرة, ليصبح سلوكا بحاجة إلى استدراك ومعالجة, رحمة بأمهات المستقبل, ورحمة بأجيال المستقبل, حينما تكون الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت أجيال المستقبل.
اساس العملية التربوية والتعليمية هو العلاقة بين المعلمة وتلميذاتها, وفي مدارس البنات السعودية, هذه المعاملة أصبحت بطشا وتكبرا واستعلاء تمارسه المعلمة على تلميذاتها, وتحولت التلميذة إلى مجرد عنصر تكميلي ضمن أثاث الفصل الدراسي, لا يعني المعلمة ان فهمت الطالبة ولا يعنيها مشاعر الطالبة, وكل ما يعنيها هو كم من المعلومات يجب حفظها وتفريغها على ورق الامتحان, وكم من التعليمات يجب تنفيذها, ووصلت الجرأة ان يوضع جدول للطالبات في مدرسة بنات لأجل تنظيف مكتب المديرة, دون أية عناية بمشاعر التلميذة ودون أية اعتبارات للعملية التربوية, ولكون ذلك يأتي ضمن مبدأ تغطرس مديرة المدرسة ومعلماتها فانه منحى تربوي خطير, لن يزرع سوى الحقد والتكبر في سلوكيات الطالبات..
حينما تتحول المدرسة إلى ثكنة عسكرية كما توصفها احدى الطالبات تبدأ بطابور الصباح الذي يتم التفتيش فيه عن قائمة الممنوعات الطويلة التي تأتي بها التعليمات من الرئاسة العامة لتعليم البنات ومن مديرة المدرسة, وتنتهي بتنظيف مكتب المديرة وفي حالة تجاوز أية بند من تلك البنود فالعقاب يكون بايقاف الطالبة خارج فصلها الدراسي لمدة ساعة أو ساعتين أو أكثر حسب نوع المخالفة أو الممنوعات الموجودة لدى الطالبة, فأحمر الشفاه له عقاب يختلف عن لبس الكعب العالي, ويختلف عن نوع التسريحة, يختلف عن طريقة خياطة القميص… الخ.
ويزداد الأمر تعقيدا وحصارا حينما تكون حيلة المديرة ومربية الفصل هي تعيين جواسيس من بين الطالبات أو المعلمات ليتم نقل كل همسة وحركة مخالفة أو شاكية أو عابسة إلى حضرة المديرة أو المعلمة..
ماذا نريد بأم المستقبل, ان تحمل شهادة مكتوب بين أسطرها ما تعلمته وشاهدته من اساليب اليأس والقهر والاحباط واهتزاز الثقة بالنفس وغيرها مما يحدث في مدارس تعليم البنات..؟! ولمن ستورث كل ذلك؟.
ذلك عن السلوكيات اما المناهج وطرق التدريس فلست اعلم لماذا تصر الرئاسة العامة لتعليم البنات لأن تكون لديها مناهجها المختلفة أو المتخلفة عن مناهج تعليم البنين, ما هي أوجه الاختلاف في منهج العلوم أو القراءة أو الفقه أو التوحيد بين البنين والبنات, حتى لا يتم توحيد المناهح بين البنين والبنات, أهو الاختلاف في التذكير والتأنيث, لا بأس ان تطبع كتب مؤنثة للبنات ولكن ان تختلف مناهج البنات كلية عن الأولاد, فهذا هو إداري واقتصادي وتربوي, مع تقديرنا بالحاجة ربما إلى اضافة منهج للبنات يعنى بما يسمى بالتربية النسوية.
لقد خطت وزارة المعارف خطوات, لست أقول عنها مثالية ولكن متقدمة في مجال تطوير المناهج, فلماذا تبدأ رئاسة تعليم البنات من نقطة الصفر, ولا تستفيد من تلك المجهودات التي تقوم بها وزارة المعارف.. لقد اهتمت الرئاسة بوضع مناهج لها مبررات تنظيرية, وغير عملية واصبح تطبيقها على أرض الواقع مضحكا مبكيا معا, فماذا يعني التدبير المنزلي حين لا توجد أدوات التدبير ولا يوجد معمل التدبير “المطبخ”, وماذا تعني مادة التفصيل والخياطة, وبناتنا لا يمسكن الإبرة والخيط, وماذا تعني مادة المكتبة إذا لم توجد مكتبة في المدرسة وماذا تعني مادة التعبير إذا كانت عبارة عن نقل موضوع من كتاب أو صحيفة, وماذا تعني التربية الفنية إذا كان خطاط الحي هو من يتكفل برسم اللوحة, وماذا تعني التربية الوطنية إذا كانت مجرد قطعة إنشائية لا تختلف عن المطالعة… ماذا يعني كل ذلك سوى ارهاق وحفظ وملل نغرسه في سلوك بناتنا…
ارجو ألا يأتي من يقول بأن ذلك تعميم غير منطقي, فما أعلمه بأن كثيرا مما ذكرت أعلاه يحدث بشكل ما أو بآخر في تعليم البنات, ولكن لأن طريقة التقييم هي مجرد الكتابة في دفتر تحضير المعلمة وحفظ الطالبة, فإن القائمين على إدارة المناهج بتعليم البنات يتفاخرون بكثرة هذه المواد ويسعون إلى إضافة المزيد منها, اعتقادا منهم بنجاحها.. اما المباني فإضافة إلى مأساة المباني المستأجرة فإن المباني الحكومية نجدها في تعليم البنات تتحول بقدرة قادر من مبنى مرحلة ابتدائية, إلى مبنى مرحلة ابتدائية ومتوسطة وثانوية, وتتحول المباني الحكومية التي تتفاخر الرئاسة بإعدادها إلى مبان أكثر تعاسة من تلك الفلل المستأجرة كمدارس, ويظل المفهوم الرئيسي في التعليم هو إيجاد قاعة للبنات يتعلمن فيها, ولا بأس أن يكون على حساب المكتبة وعلى حساب معمل اللغة الانجليزية وعلى حساب معمل التدبير المنزلي وعلى حساب غرفة المعلمات وعلى حساب غرفة المقصف المدرسي, وهكذا تحولت المدارس الحكومية إلى مجرد قاعات دراسية دون مرافق معملية ومكتبية وتدريبية مناسبة.. فمن يسامحنا مستقبلا حين نخرج اجيالا لا تلبي طموحاتنا, هل سنفاخر بأعداد المدارس وأعداد الخريجات, كما نحن فاعلون اليوم, ام سنسأل عن جودة ما نقدمه لهذه الأعداد؟.
ولكي نصل إلى خلاصة مفيدة لهذا الطرح, أرى بأننا أضعنا الهدف الرئيسي لقيام الرئاسة العامة لتعليم البنات ويبدو انها تحولت إلى عبء بيروقراطي إداري لسنا ندري كيف نقوم باصلاحه, وعليه نحن بحاجة إلى التحلي بالشجاعة واعلان فشل جهاز الرئاسة العامة لتعليم البنات للقيام بمهامه الاساسية, ومهامه الاساسية يجب ألا تكون عزل بناتنا عن التعليم المتطور, أو الحجر على عقول بناتنا بل تقديم خدمة تعليمية تربوية متطورة, تحقق طموحات بناتنا وأولياء أمورهم, وأول خطوات التطوير تكون في تحسس بؤرة التقصير والاعتراف بمكمن الفشل..
بعد هذا الاعتراف فإن الشجاعة تتطلب إلغاء هذا الجهاز المسمى الرئاسة العامة لتعليم البنات, وتوحيد إدارات التعليم الاساسي تحت إدارة أو وزارة واحدة, تتولى الاشراف على إدارة تعليم البنين والبنات, مع الحفاظ على الثوابت الدينية المتمثلة في الفصل بين الذكور والإناث في المدارس, لأن تعليم البنات لم ولن يدار بشكل كامل عن طريق البنات, فلماذا المكابرة وفصل إدارة تعليم البنات عن إدارة تعليم الأولاد, إذا كانت الإدارة رجالية في كلا الحالتين؟
لماذا لا يوجد وزارة التعليم يكون لوزيرها نائبة لشؤون تعليم البنات ونائب لتعليم الأولاد, ويتم توحيد لجان وإدارات المناهج, وتوحيد الإدارات الفنية وإدارات التعاقد وإدارات التوظيف والمالية وغيرها من الإدارات المتكررة هنا وهناك؟.
نحن نسعى إلى الاصلاح الاقتصادي والإداري ونعاني نقص الوظائف في القطاع التعليمي ونعاني كثيرا من النواقص في المجال التعليمي, فلماذا لا يعاد النظر في اصلاح القطاع التعليمي بما في ذلك إعادة تنظيمه إداريا واقتصاديا وفنيا…؟!.
ردود مختصرة:
ـ حظي موضوع تقييم برامج التعليم العالي والجمعيات العلمية بعدد من الملاحظات والتعقيبات من قبل عدد من القراء… لا أريد تكرار ما طرحته ولكن أعد بطرح الموضوع مستقبلا بشكل يأخذ في الاعتبار بعض ما ورد من ملاحظات.
ـ موضوع الاتحادات الرياضية في ثوبها الجديد, أثار حفيظة أحد الزملاء العاملين في الصحافة الرياضية, احدى النقاط التي اثارها تتمحور حول رؤيتي بتقليص الازدواجية بين العمل في الرئاسة العامة لرعاية الشباب والعمل في الاتحادات الرياضية, واعتبر ذلك جهلا مني بالإدارة الرياضية, ولتعميم الفائدة اكتفي هنا باحالة الزميل وغيره من المهتمين بهذا الموضوع إلى نظام اللجنة الاولمبية الدولية, وبالتالي اللجنة الأولمبية السعودية بصفتها عضوا في اللجنة الأولمبية الدولية, فسيجد هناك مرجعية واضحة لما طرحته من رأي… وتظل الملاحظات والتعقيبات محل تقديري ووقودا حيويا يغذي مسيرتي الكتابية.
اترك تعليقاً