كنت أعتقد بأنه مهما تدنى مستوى جامعاتنا تظل هناك معايير أو أعراف أكاديمية تعتبر في حكم المسلّمات التي لايفترض من العاملين في الحقل الأكاديمي انتظار توجيهات بشأن تنفيذها، كما كنت أعتقد بأن لعضو هيئة التدريس حقوقاً لا أحد يجادل فيها، لكنني بكل أسف كلما توغلت في هذا الهمّ المسمى “أكاديمياً” على المستوى المحلي أيقنت بأن الوضع أسوأ مما نتصوره في الظاهر. أعرفكم اليوم على بعض صور التردي في بيئة التعليم الجامعي وتحديداً في طريقة معاملة أستاذ الجامعة، وهي صور ستجعلكم تشاركونني الرأي بأن كثيراً من مدارسنا الابتدائية تحفل ببيئة إدارية وتنظيمية وتعليمية ربما تفوق بعض كلياتنا وجامعاتنا.
ما هي نواة العمل الأكاديمي؟ الإجابة هي القسم الأكاديمي، وكيف يتخذ القرار الأكاديمي؟ عن طريق مجلس القسم، الذي يجتمع فيعد محضراً للاجتماع يرفعه لمجلس الكلية بعد توقيع الأعضاء.. إلاّ في هذه الجامعة، فالقسم الأكاديمي يتحكم به سعادة الرئيس، يفرض، يقرر، فيرفع لمجلس الكلية دون اطلاع الأعضاء وتوقيعهم على ما يرفع، بمباركة من إدارة الكلية.. مخالفة تافهة أو حق تافه تنازل عنه بعض أعضاء هيئة التدريس.. ربما، لكن النظام الأكاديمي يقوض عن بكرة أبيه حين يدار القسم الأكاديمي كشركة مقاولات ليس للأعضاء حتى الاطلاع على محضر اجتماعه.
ما هي أبسط حقوق الموظف بأية جامعة أو مدرسة أو إدارة حكومية، ولن نقول عضو هيئة التدريس، العالم والباحث والمفكر؟ دون تعقيد أكاديمي هي طاولة أو مكتب يجلس عليه، جهاز حاسب آلي يستخدمه لإعداد دروس الطلاب، ماكينة تصوير يستخدمها لتصوير بعض الأوراق ذات العلاقة بعمله الوظيفي والأكاديمي.. إلاّ في هذه الجامعة فعضو هيئة التدريس لا يمكنه تصوير ورقة واحدة دون إذن من عميد الكلية أو رئيس القسم (يعني يحتاج معاملة لكي يصور ورقة واحدة) وقد ينتظر أشهراً عديدة يطارد فيها العميد أو المسؤول ليوفر له جهاز حاسب آلي وقد يقضي عاماً أو أكثر دون ان يوفر له مكتب ثابت يجلس فيه، حتى إنه أصبح أمراً شائعاً ان تجد الأستاذ يناقش طلابه في الممرات، إلاّ إذا كان من ذوي الحظوة الاجتماعية والفئوية..! طبعاً لن نتحدث عن قاعة استراحة تجمع أعضاء هيئة التدريس في أوقات فراغهم ولن نتحدث عن سكرتارية يخدمون عضو هيئة التدريس، ليس في أموره الشخصية لكن في الأعمال الأكاديمية الموكلة إليه، ولن نتحدث عن سبورة الكترونية ولن نتحدث عن حاسب آلي محمول ولن نتحدث عن كثير من الأمور التي يفترض وجودها، في كلية تحاسب أعضاء هيئة التدريس بها على ورق التصوير وحبر الآلات الطابعة وتطلب من كل عضوي هيئة تدريس وضع جدول زمني بهما لاستخدام الحاسب الآلي المشترك بينهما.
ما هي أبسط الحقوق المعنوية لعضو هيئة التدريس في مجال التدريس؟ ان يضع الاختبار الذي يراه يتوافق مع قدرات طلابه وما قدمه لهم خلال الفصل الدراسي، كعضو مؤهل وجدير بالثقة في ما أؤتمن عليه.. إلاّ في هذه الجامعة حين يفرض عميد كلية ضرورة مراجعة أسئلة الاختبارات النهائية مسبقاً بمجالس الأقسام دون اعتبار لأهلية عضو هيئة التدريس والثقة به ليقوم بوضع الامتحان الذي يراه مناسباً لمادته.. أي قيمة تتبقى لعضو هيئة التدريس بهذه الجامعة.
ربما لا يكون الوضع بهذه الصورة التشاؤمية في جميع الجامعات وجميع الكليات، لكنها موجودة بإحدى كليات التعليم العالي الحكومي، مما يجعلنا نتساءل: أية معايير تريد وزارة التعليم العالي فرضها على الكليات الخاصة وهذه المظاهر توجد بإحدى جامعاتها التي تجاوز عمرها ربع قرن من الزمان؟ أي إدارة أو عمادة هذه التي تعبث بالأعراف الأكاديمية دون رقيب أو حسيب من قبل المجالس الأكاديمية والإدارية العليا؟ أم ان مهمة تلك المجالس والإدارات هي فقط الموافقة على ما يرفع وليس السؤال عن مكامن الخلل الأكاديمي والإداري