يتعدد طرحي في الكتابة حول النظام الصحي وضرورة تحديثه، وفي خضم ذلك لم أنس الإشارة إلى عدم تحميل تأخر تحديث النظام، كل شماعات القصور و تكرار ذلك بشكل يكاد يوحي بأن النظام الحديث سيكون الحل السحري الذي سيصلح الوضع الصحي المتواضع الذي نعيشة، حيث أن كثيراً من الترهل الذي يعانيه القطاع الصحي، ونحن نتطرق إلى القطاع الصحي بصفة عامة وقطاع وزارة الصحة المسؤول الأول عن الخدمة الصحية بالمملكة، مسبباته ليست محصورة في قدم النظام، وإنما هناك أسباب أخرى كثيرة تعرضنا وسنتعرض لها في مقالات سابقة ولاحقة. الجديد المستوجب لطرحي الموضوع هو محاولة إقناعي من قبل أحد العاملين في القطاع الصحي، بضخامة مشروع النظام الصحي الحديث وكون تلك الضخامة كانت السبب الرئيسي في تأخير إقرارة، ولم يكتف بمحاولة الإقناع الشفوية وإنما قام بتسليمي نسخة مكتوبة، مما تم إعداده في مجال تخصص الزميل و يقارب المائة صفحة بذل في إعدادها جهوداً كبيرة يستحق الثناء من قبل اللجنة المشكلة لذلك الغرض، ولكنه ليس نظاماَ، كما يدعى الزميل، بل هو عبارة عن تجميع لأدلة عملية يومية للمارسة الإدارية و الإكلينيكية، أكدت رؤيتي، السابقة، حول عدم تفريق الإدارة الصحية القائمة بين النظام الصحي أو الإطار الإداري الصحي وبين التفاصيل التنفيذية اليومية، بين النظام كقانون وبين الأدلة أو اللوائح التنفيذية وكذا الإرشادية، وعليه أجدني أعود للحديث عن مبادئ إدارية صحية ونظامية، لأعطي نبذة عن مفهوم الأدلة الصحية وضرورتها و بالتالي اختلافها عن مفهوم النظام الصحي الشامل الذي ننشدة، ونأمل إصداره وإيضاحه…
الدليل الإرشادي الإكلينيكي clinical guidlines هو عبارة عن خطوات إرشادية تساعد المعالج على أفضل الخطوات التي يمكن إتباعها للتعامل مع الحالة العلاجية، وفق أحدث الطرق المثبت فعاليتها، وقد أصبحت هذه الأدلة، والتي طور بعضها إلى أو أنها تشمل، المسارات الإكلينيكية، عنصر ضروري في الممارسة الطبية والممارسة الإدارية الصحية، وهناك مؤسسات صحية تقوم بتطوير أدلتها الخاصة بها ضمن برامج الجودة والنوعية التي تحرص عليها، إضافة إلى ذلك تنتشر مثل تلك الأدلة ضمن المؤلفات العلمية والبحثية المتعددة، و من مميزاتها البحث عن أفضل الطرق العلاجية بأقل كلفة ممكنة وتسهيل التواصل بين افراد الفريق الطبي والإداري المعالج وكذا تقليل الاختلافات والفروقات الناتجة عن اختلاف الممارسة، والأدلة تلك تختلف عن النظام بكونها إرشادية ولكنها لاتلزم الممارس بإتباعها حرفياً في جميع الحالات، ولا يمكن تطبيقها على جميع الحالات، وإنما غالبية الحالات، بينما النظام يفترض فيه أن يكون التوجه أو التشريع الشامل الذي يفسر ويوضح أساسيات الممارسة الصحية وعلاقاتها المختلفة، و في مرجعياتنا الإدارية، يرادف النظام أحياناً القانون الذي يحكم الممارسة الطبية بصفة عامة وشاملة، وحين تقدم وزارة الصحة كمية تتجاوز الألف صفحة من الأدلة الإرشادية تلك وتطالب بإقرارها كنظام فهذا يعني عدم التفريق بين النظام والدليل الإرشادي، و يعني انه في حالة إقرار تلك الأدلة كأنظمة قانونية، سيتم القضاء على الإبداع والتطوير في الممارسة الطبية، لأنه سيصبح لزاماً على الممارس الطبي الالتزام بالنظام القانوني، حتى ولو كان ذلك النظام لايصلح أو لايمكن تطبيقه على الحالة المرضية…
لايمكن إنكار أهمية تلك الأدلة فوجودها عرف عالمي في الممارسة الطبية والصحية، حيث يتم تطوير هذه الأدلة عن طريق المراكز الطبية والجامعات والهيئات والمنظمات الصحية المتخصصة ولكن لايتم فرضها كقوانين تقر من قبل البرلمانات والمؤسسات التشريعية، ففي هولندا على سبيل المثال تنتج الكلية الطبية الهولندية حوالي عشرة أدلة إرشادية كل عام، وإصدار الدليل لايكون مجرد تعميم إداري منفصل، بل تتم مناقشته وتعليمه وتدريب الأطباء والمارسين الصحيين على كيفية تطبيقة…الخ، وفي فلندا تقدر الأدلة التي تم إصدارها خلال العشر سنوات الماضية بحوالي 700دليل، وفي فرنسا أصدرت الهيئة الصحية مايقارب 100دليل إرشادي قامت بتطويرها عن طريق حلقات علمية مخصصة لهذا الغرض، وفي أحيان كثير تم الاستعانة بأدلة نشرت في دول أخرى أو في وسائل النشر الطبية وتم تطويرها لتتواءم مع النظام والمجتمع الصحي الفرنسي، وفي ألمانيا تم توزيع أكثر من عشرة آلاف نسخة من الأدلة الإرشادية للمارسات الطبية المختلفة، وفي المملكة تحرص المستشفيات المتقدمة على إصدار أدلة إرشادية خاصة بها، في شكل نماذج يسهل تعبئتها من قبل الممارسين لكثير من التخصصات، وليس عيبا بل هو إيجابية ومطلب أن تستفيد وزارة الصحة من كل ذلك وتحاول تقنين الممارسة الطبية والارتقاء بها في مراكزها الطبية، وفي نفس الوقت الإسهام في تثقيف الممارس الصحي في وزارة الصحة بالطرق الحديثة التي رؤي أنها الأفضل في الممارسة، وجميل أن تتولى طبع وإصدار تلك الأدلة وتوزيعها على مراكزها الصحية المختلفة…
أعتقد بحاجتنا إلى الأدلة الاكلينيكية، بشكل يفوق كثير من الدول لتنوع المدارس الطبية العاملة ببلادنا ومايتطلبه ذلك من ضرورة تقريب أساليب الممارسة السريرية لديها، ولتطوير تلك الأدلة الإرشادية الاكلينيكية يمكن للجهات الصحية تدعيم إنشاء مجموعات أو مجالس طبية، أو حث المجالس والجمعيات والمجموعات العلمية في كافة التخصصات للعمل على تطوير الممارسة الطبية كل في مجاله بما في ذلك دراسة الأدلة المناسبة، مع إيضاح أن تطوير الدليل الإرشادي ليست قضية فردية، أو تعميم إداري، ولكنها تتطلب البحث في ماهو منشور في مجال التخصص وماله علاقة به، وتحتاج توفر الاحصائيات المناسبة التي تدعم أهمية وضع دليل أو إطار محدد للتعامل مع حالة علاجية محددة، وتتطلب معرفة الخدمة الطبية والإلمام بالتكاليف اللازمة له، و تحتاج إلى مشاركة الممارسين في المجال الطبي، على مستوى التخصص الواحد والتخصصات المتعددة ذات العلاقة، وتحتاج إلى خبرة في الصياغة والإخراج بشكل مفهوم ومقبول من قبل الممارس الطبي…الخ.
كان ذلك عن الأدلة الإرشادية والنماذج الطبية التي يخلط البعض مفهومها بمفهوم النظام وبالتالي يسعى إلى تبنيها كتشريعات او قوانين عامة وثابتة تحويلها إلى أنظمة ثابتة، دون وعي كاف بالفروق التنظيمية والإدارية بين الأدلة الإرشادية والمعايير المهنية والنظم الإدارية القانونية، فما هي أبرز الاشكاليات التي نريد من النظام الصحي المزعوم بحثها وتأطيرها بشكل واضح؟
* المطلوب بداية تحديد العلاقة بين القطاعات الصحية المختلفة، سواء الحكومية أو الخاصة أو التعليمية، فمايحدث حاليا ينقصه ضعف التنسيق والتكامل والإطار العام للتعاون…
* المطلوب تحديد صلاحيات وزارة الصحة وإعادة هيكلتها إدارياً ووظيفياً، بحيث يحدد ويفصل بين المهام الإشرافية والتنفيذية والتقييمية، آخذاً في الاعتبار التطورات الإدارية والكمية في هذا المجال، بحيث تفصل مهمة تقييم الأداء الصحي عن وزارة الصحة لتتولاها هيئة مستقلة أو لتكن ضمن مهام هيئة التخصصات السعودية وبحيث تفصل مسوؤلية تقنين الغذاء والدواء لتوكل مهمة تنظيمها إلى هيئة مستقلة.. إلخ.
* الحاجة الى نظام حديث لمعالجة الأخطاء الطبية من ناحية التوثيق وتحديد الخطأ وطريقة معالجة الخطأ وكذا تحديد الجزاءات والعقوبات، يتجاوز النظام الحالي الذي اثبت ضعفة، وربما فشلة، في هذا الجانب …
* ايجاد رؤية واضحة حول تطوير وتدريب الكوادر البشرية في ما له علاقه بالمجال الصحي…
* نريد نظاماً أكثر إلتزاماً بالصحة العامة وبصحة البيئة وبالرعاية الأولية والرعاية الصحية بالمدارس، وليس مجرد نظام علاجي للحالات المستعصية والمتقدمة…إلخ
* نريد نظاماً يحكم ويحدد العلاقات بين مقدم الخدمة وموفر خدمة التأمين الصحي والمستفيد النهائي، المريض…
* ايجاد نظاما يضع المريض كعنصر أولي يجب العناية به، وليس مجرد عنصر سالب في الأداء الصحي…
*ظهور نظام يتمكن من قياس الأداء وقياس الجودة وقياس الإنتاجية… إلخ
* لايمكن أن يبقى النظام الصحي محملاً على وجهة نظر فرد محدد، بل نظام مؤسساتي قابل للنمو والتطور بوجود ذلك الفرد أو غيابه.. نظام يشارك فيه الممارس الطبي والإداري والمخطط والقانوني…. إلخ
* نريد أن تكون الأولوية لمبادئ العدالة الصحية والاجتماعية، والحفاظ على أخلاقيات الممارسة الصحية، وأن لا يتم ذبح هذه المبادئ، كما نرى، في سبيل ارضاء شهوات المال، والبحث عن توفير المصادر المالية للمؤسسة وللطبيب، فخير لنا أن نقدم خدمة شاملة عادلة أساسية، حتى ولو كانت عادية، من أن نحيل الصحة إلى تجارة يستفيد من تميزها المزعوم فئة قليلة قادرة ومتمكنة، على حساب الأغلبية…
** أشياء كثيرة نحلم بها ليتطور نظامنا الصحي وسنظل نكررها ونطالب بها رغم انزعاج البعض من هذا التكرار، ونتمنى أن يتمكن المعنيون من تحويل أحلامنا إلى خطط عمل ومناهج فكر تسهم في سعادة الغالبية وراحة الجميع بما فيهم البسطاء والفقراء في كل شبر من بلادنا الغالية، وتلك مهمتهم التي نعتقد بأنهم مكلفون ومؤتمنون على تحقيقها في ماله علاقه بالمجال الصحي…
أخبار الصحة:
أقرأوا معي بعض العناوين المتعلقة بالصحة، والمنشورة في خمسة أيام فقط (مابين 3و 8مايو 2002م) وفي جريدة واحدة (جريدة الوطن)، نعم بعض العناوين، في جريدة واحدة خلال خمسة ايام فقط:
الصحة النفسية في الطائف تعاني من نقص المياه وانتشار الحشرات والقطط.
مستشفى جازان يشكو نقص الأدوية وغياب النظافة وتدني الخدمات الصحية.
عمال نظافة يتجولون بين المنومات داخل قسم النساء والولادة.
السعودية الأعلى إصابة بمرض القلب في العالم.
أدوية فاسدة ومشروبات منتهية الصلاحية تعطى لنزلاء مجمع الأمل الطبي في الرياض.
ثمانية من العاملين في المجمع مصابون بالتهاب الكبد الوبائي.
الصحة النفسية في بلجرشي ترفض أمر قاضٍ بتنويم مريض.
ثلاثة مستشفيات ترفض استقبال حالة ولادة في الرياض.
طوارئ مستشفى شرورة العام يتحول إلى مركز رعاية أولية.
استياء المرضى من غياب النظافة وانتشار الحشرات والقطط في الأجنحة وغرف المرضى.
المواطنون: متى ننعم بخدمات صحية حقيقية في الليث.
مستشفى جازان: طبيب طوارئ واحد لثلاث عشرة محافظة.
ترك الطفل ميتاً في رحمها قرابة شهرين.
مواطنة تفقد جنينها وقدرتها على الانجاب بسبب خطأ طبي.
إهمال طبيب يؤدي إلى فقدان مواطن لاصبعه.
شكوى من مواطنين متضررين من حرق نفايات طبية بالمنطقة الشرقية.
قبل الاسئلة يجب ملاحظة تنوع مناطق تلك القصص والأخبار، وملاحظة أن الإعلام لدينا يخضع لرقابة لا تجيز له اختلاق الأخبار وتلفيقها، أما الأسئلة فكثيرة، بسبب مساحة المقال اختصرها في سؤالين:
إلى أين نحن سائرون في التدهور الصحي؟ و هل ما ذكر من تفاصيل تحت تلك العناوين سببه الشماعة التبريرية المعتادة، إقرار النظام الصحي الحديث؟
حفظ الله الجميع ووقاهم المرض.