اجتهادات طب الأسرة والتثقيف الصحي

تم التصريح من لدن مسئولي وزارة الصحة بأنه سيوجد طبيب أسرة لكل أسرة، والمقصود بالتأكيد هو توفير طبيب أسرة لكل مجموعة من الأسر، لكن ضرورات الدعاية جعلت التصريح “طبيب أسرة لكل أسرة”. مثل هذا التصريح أطلق في مصر عام 2002م تقريباً، وهم لا زالوا يأملون تحقيق الحلم! السؤال العلمي، كم ستكون نسبة أطباء الأسرة لعدد الأسر؟ هل هناك هدف محدد ستصل إليه الوزارة؟ هل يوجد عدد كاف من أطباء الأسرة؟ لماذا لا ندرس تجربة الدول المتقدمة أمريكا واستراليا وكندا وبريطانيا واسكتلندا وغيرها في الأخذ بمفهوم الطبيب المساعد أو مساعد الطبيب والممرضة الممارسة؟ (للراغبين في مزيد من التفاصيل حول تجربة الدول المذكورة في هذا الشأن، يمكننا تزويدهم ببعض المقالات العلمية التي لا يتسع المقال لاستعراضها بالتفصيل). أحد الجهات الصحية قدمت مقترحاً يتمثل في تدريب الأطباء غير القادرين على الحصول على التخصص الدقيق عبر برامج دبلوم متخصصة ليصبحوا أطباء أسرة، وهذا مقترح آخر جدير بالدراسة…

في المجال نفسه، تفتقت عبقرية المخطط الصحي فقرر تغيير مسمى مراكز الرعاية الأولية إلى مراكز طب الأسرة، ويبدو أن الحماس لهذا التخصص أو تأثير بعض القائمين عليه جعلنا نختزل المسمى الأشمل والأجمل ليصبح مسمى محتكراً من قبل تخصص طبي واحد، طب الأسرة. لا أدري كيف سيرتقي بخدمة مراكز الرعاية عن طريق تغيير المسمى، أم أن القضية مجرد اجتهاد شكلي؟ السؤال الأخير في موضوع طب الأسرة، ترى هل فشل الرعاية الأولية لدينا سببه المسميات والأطباء أم أنه سبب إداري وتنظيمي بالدرجة الأولى؟

دعونا ننتقل إلى اجتهاد آخر، بعيداً عن المرجعية العلمية المتقدمة. صرح وكيل الوزارة المساعد للطب الوقائي بحاجتنا إلى 4500مثقف صحي، وهذا جميل أن أعترف أخيراً بأهمية هذا التخصص، لكن الأسوأ هو ما تلا ذلك وأبان عدم معرفة صاحب التصريح بأن التثقيف الصحي أصبح تخصصا جامعياً لا يقل عن أربع سنوات، حيث أشار إلى انه سيتم تدريب المثقفين الصحيين عبر دورات منها تلك التي صرح حولها ومدتها ثلاثة أيام. بمعنى آخر سعادته لا يعترف بأهمية التعليم المتخصص، فالعملية سهلة وكلها دورتان أو ثلاث ويصبح لدينا مثقف صحي. علماً بأن وزارة الصحة تعتبر إحدى الجهات الرئيسية التي أجهضت تعليم هذا التخصص بالجامعات حيث لم تفتح الوظائف الكافية لخريجي وخريجات هذا التخصص…

أتمنى قبل أن نتخذ المبادرات، أن نوكل الأمر إلى جهات علمية متخصصة لدراسة التطورات العلمية الحديثة في مجال الرعاية الأولية والتثقيف الصحي وغيرها من الأمور، فكل شيء يتطور، إلا الإداري الذي لا يقرأ ولا يطلع ويتخذ قراراته بناء على خبراته حينما كان طالباً قبل عشرين أو ثلاثين سنة…

أضف تعليق