كتبت مقالا سابقا بعنوان التعليم الفني: هل تغيرت الأهداف، بتاريخ 2002/8/29م، وفي ذلك المقال طرحت تساؤلات عدة حول التطورات والتوجهات الحديثة الحاصلة في التعليم الفني لدينا، بالذات في ما له علاقة بالمؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني، والتغييرات الحاصلة بالكليات التقنية التابعة للمؤسسة، وما إذا كان ذلك يشير إلى تغير في أهداف التعليم الفني والتدريب المهني.. إلى آخره من الأسئلة. تلك المقالة التي استقت مادتها من تساؤلات ونقاشات طرحها بعض المنتمين إلى الكليات التقنية، هدفت من طرح الأسئلة إلى حث الآخرين على البحث في اجاباتها، ومن ضمنهم المعنيون بادارة التعليم الفني والمهني ببلادنا.
لم يخب الظن فقد تجاوب مسؤولو المؤسسة، وعلى رأسهم معالي المحافظ الدكتور علي الغفيص، مع تلك الأسئلة وشرح بعض خلفياتها أو اجابتها، وهو تجاوب سريع أقدره لمعالي المحافظ، الذي حاول ايصال وجهة نظر الادارة العليا لمؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني، عبر مكالمة دولية مطولة في أحد أيام اجازته الأسبوعية. في هذا المقال أطرح أبرز ما جاء في حديث معالي المحافظ، من مبدأ ضرورة نقل مختلف وجهات النظر، وبالتالي حث الآخرين على تفعيل الحوار حول مستقبل التعليم الفني ببلادنا..
ركز معالي الدكتور الغفيص على أن أهداف المؤسسة لم تتغير، وبأن ما يحدث لا يتجاوز التطوير المنهجي والعلمي الذي يسعى لتحقيق الأهداف الرئيسية للمؤسسة دون إضرار بالثوابت الرئيسية ووفق أحدث الأساليب العلمية والمنهجية الحديثة، ففي مجال المناهج أشار إلى أن القضية ليست في خفض سنوات الدراسة أو زيادتها بقدر ما هي تقنين وتطوير المنهج ليفي بالاحتياجات المطلوبة، دون حشو زائد أو إهدار في وقت الطالب وفي مجهودات المؤسسة، فعلى سبيل المثال أشار معاليه إلى ان الطالب كان يتعلم أو يمارس منهج البرادة والنشر في السنة الأولى للكلية بغض النظر عن تخصصه، وهذا يعتبر هدرا بالنسبة لطالب برمجة الحاسب الآلي على سبيل المثال، كما أن الطالب كان يدرس منهجين أو ثلاثة في الفيزياء بينما هو لا يحتاج كل ذلك في تعليم مهنة تقنيات الحاسب على سبيل المثال، كان الطالب يدرس السنة الأولى لغة انجليزية ورياضيات وفيزياء.. وبسبب ذلك كانت نسب الرسوب والتسرب بين طلبة الكليات عالية بسبب تلك المواد التي لا يمت بعضها بصلة لتخصص الطالب ومهنته التي سيمارسها في المستقبل، كان التدريب العملي يتم في فصل دراسي مستقل وتم جعله في فصل الصيف… وبالتالي فالفكرة كما يرى ليست مجرد حذف أو إضافة أو تقصير لمدد الدراسة، بقدر ما هي عملية تقنين وتحديد لمتطلبات كل مهنة أو تخصص. ويضيف معالي المحافظ بأن الآليات المتبعة في ذلك التحديد لم تكن عشوائية ولم تكن مجرد قرار مركزي اتخذ عن طريق ادارة المؤسسة، وإنما تم عبر خطوات متعددة لم يكن دور المؤسسة فيها سوى التنسيق والاخراج النهائي، حيث انه أخذت مرئيات الأقسام بالكليات حول التغييرات، كما أخذ بتجارب الكليات المماثلة في عدة بلدان كاستراليا واليابان وماليزيا وكندا وغيرها.. والأهم من ذلك أخذ بوجهة نظر الجهات المستفيدة من مخرجات الكليات التقنية كالمؤسسات الصناعية والشركات الكبرى، بغرض اخراج حقائب تدريبية مناسبة لكل مهنة.
بالنسبة لبرنامج البكالوريس أفاد معالي المحافظ بأن الكليات التقنية انشئت بمستوى الدبلوم وبعد التوسع والانتشار ظهرت الحاجة الماسة إلى تهيئة كوادر بشرية للعمل مدربين في الوحدات التقنية والفنية والمهنية في المؤسسة، فشكلت لجنة من الجامعات ووزارة التعليم العالي والمؤسسة لدراسة الموضوع، وأوصت بأن على المؤسسة تنفيذ برنامج يلبي حاجتها وبناء عليه تم تنفيذ برنامج البكالوريس في عدد من التخصصات بكلية التقنية بالرياض فقط ولم يكن النية التوسع في البرنامج في بقية الكليات التقنية لأن الهدف منه محدود وهو توفير مؤهلين بدرجة البكالوريس ليقوموا بالتدريب في الكليات والمعاهد والمراكز، ومازال البرنامج يستقبل الطلاب سنوياً..
طبيعة برنامج البكالوريس أقرب إلى التربوية، حيث جل المواد التي تتم دراستها عقب إنهاء مرحلة الكلية التقنية المعتادة، هي مواد تربوية أوجدت بهدف تأهيل مدرسين للمهن المختلفة، ولكن الاشكالية الاجتماعية وربما التوظيفية هي في أن خريج بكالوريس كلية التقنية لا يرى نفسه كمدرب في احدى المهن التقنية، حسب التخصص، وإنما هو يرى أحقية تصنيف شهادته ومسماه بالمهندس بحجة أن بكالوريس كلية التقنية يعادل بكالوريس كلية الهندسة. ضمن ما فهمته فإن القطاعات الصناعية لم ترحب بخريجي ذلك البرنامج بسبب عدم وضوح الهدف النهائي من مخرجاتها أهو لتخريج مدرسين أم مهندسين؟
إذاً حسب ما ورد أعلاه فلقد صمم البرنامج لتحقيق متطلبات المؤسسة وهنا اطرح سؤالا، متجاوزا كون المقال ينقل وجهة النظر الرسمية تجاه ما طرح من أسئلة في مقال سابق، كم هو حجم استفادة المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني ذاتها من خريجي برنامج البكالوريس بكلية التقنية بالرياض؟
بالنسبة للسؤال حول المجلس العلمي وهل قلصت أو جمدت أدواره، كان جواب معالي محافظ مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني بأنه لم يتم تجميد عمل المجلس العلمي ولم يلغ، فكل ما حدث، وضمن تطوير العمل الاداري بالمؤسسة، هو تحديد مهام المجلس فيما له علاقة بتعيين وترقية وتطوير أعضاء هيئة التدريس بالكليات وذلك أسوة بالمجالس العلمية في غالبية الجامعات السعودية، وتم تكوين لجنة تعنى بتعيين المعيدين والمحاضرين وابتعاثهم.. الخ، وهذا أيضاً يتم اسوة بما هو موجود بالجامعات السعودية، ولما اقتضته مصلحة العمل والتطوير الاداري. علماً بأن المجلس العلمي لديه أعضاء من خارج المؤسسة مشهود لهم بالكفاءة من الجامعات السعودية ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية وغيرها من الجهات العلمية ذات العلاقة.
موضوع الابتعاث أصبح قضية شائكة بالنسبة للتعليم الفني وربما غيره من القطاعات، حيث نجد أن هناك توسعا كبيرا لدى المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني في مجال افتتاح الكليات التقنية، ولديها احتياج متزايد من الكفاءات الوطنية المؤهلة للعمل بتلك الكليات.. ومن ضمن ما أثاره معالي المحافظ هو ضرورة تحقيق العدالة والتوازن في الابتعاث فيما بين الكليات والتخصصات، فمن غير المنطق أن يبتعث عشرة أشخاص من كلية واحدة ولا يتم ابتعاث أحد من كلية أخرى، بشكل أدى إلى أن تجد المؤسسة صعوبة حتى في تعيين عميد كلية، دكتور، في بعض الكليات لعدم وجود دكاترة سعوديين بتلك الكليات، بالذات في المدن الصغيرة، لا أحد ينكر وجود رغبة اجتماعية جامحة من قبل كثير من الشباب للالتحاق ببرامج الابتعاث التي توفرها المؤسسة للحصول على الدرجات الاكاديمية العليا، ولكن المؤسسة تبحث عن تقنين ذلك ليكون موائماً لتوجهاتها واحتياجاتها المهنية، فمن غير المنطق أن يصبح جميع أعضاء القسم من حملة الدكتوراه الذين ليس لديهم استعداد لتدريس البرامج المهنية التدريبية والعملية..؟!
الأهم من ذلك هو معاناة مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني التي تتمثل في مجال نقص أو تناقص مخصصات الابتعاث من قبل الجهات المعنية الأخرى، فعلى سبيل المثال يشير معالي المحافظ بأن المؤسسة لم تتمكن من الحصول على مخصصات ابتعاث جديدة كافية وبعودة بعض المبتعثين تم ابتعاث بدلاء لهم وصل عددهم إلى 32مبتعثاً خلال الشهرين الماضيين. بل ان بعض المبتعثين عانوا في بداية ابتعاثهم من تأخر مخصصاتهم أثناء البعثة، حيث وزارة التعليم العالي تطالب بتوفر الاعتمادات اللازمة لضمهم للبعثات ووزارة المالية لم توفر تلك الاعتمادات. هذا ما دعا المؤسسة إلى ايجاد آلية مقننة للابتعاث في حدود ما هو متاح من موارد ومخصصات مالية وفي حدود ما يحقق التوازن بين مختلف التخصصات والاحتياجات.
السؤال الذي لم أجد اجابته لدى مسؤولي المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني، هو ذاك المتعلق بتبني الجامعات بإشراف وزارة التعليم العالي، تقديم برامج مشابهة لما يقدم بالمؤسسة كبرامج كليات المجتمع وبرامج الدبلومات الحديثة؟ حينما نطرح السؤال بأن طبيعة تلك البرامج وحسب اختصاصات جهات التعليم المختلفة يفترض أن تتبع مؤسسة التعليم الفني، تأتي الاجابة: ولم لا تسأل وزارة التعليم العالي عن ذلك؟ لم لا تسأل الجهات التنظيمية التعليمية العليا، عن سر هذا الازدواج في المجال التعليمي؟ وحينما تسأل إن كانت المؤسسة ستقلد الجامعة بفرض برامج دبلوم مقابل رسوم مادية، فتأتي الاجابة: لا يوجد خطة في هذا الشأن حالياً، ولكن أمام تناقص الموارد نحن نسأل لمَ يتاح للجامعة تنمية مواردها بهذا الشكل، وهو على كل حال شكل متواضع في مجال تنمية الموارد الذاتية، بينما المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني لا يتاح لها ذلك؟
الغريب في الأمر هو أن وزارة التعليم العالي هي من اعتذر عن تقديم برنامج بكالوريوس لخريجي الكليات التقنية لتأهيلهم للعمل مدربين أو مدرسين مهنيين، بحجة عدم عناية الجامعات وعدم قدرتها على تقديم برامج فنية أو تدريبية. وكان ذلك الاعتذار هو الدافع الرئيسي لإقرار برنامج البكالوريس بكلية التقنية بالرياض؟ كيف تمكنت الجامعات أو تعتقد انها تتمكن حالياً، من تقديم برامج دبلوم تدريبية مهنية، أعلنت عدم القدرة على تقديمها في الماضي؟
أكرر بأنني حاولت هنا إنصاف الجهة الادارية المعنية بالتعليم الفني والتقني عبر نقل مختصر وجهة نظر مسؤوليها حيال ما طرحته من اسئلة، ويبقى المجال متاحاً للآخرين للاضافة أو الاعتراض أو طرح مزيد من محاور النقاش حول التعليم الفني والتقني ببلادنا، فذلك سيكون منبع سعادتي ككاتب يبحث عن مشاركة الآخرين له في اثراء ما يطرح من مواضيع مختلفة..