أدبيات الممارسة الصحية

سعدت خلال العام الدراسي المنصرم بحضور أكثر من لقاء يناقش أخلاقيات الممارسة الطبية، ومصدر السعادة هو كون تلك اللقاءات تدل على استشعار الأطباء والجهات القائمة على تلك اللقاءات إليها بضرورة السعي الدؤوب نحو ترسيخ أو تطوير مفهوم أدبيات ممارسة أو مزاولة المهن الصحية أو الطبابة كما يحبذ تسميتها البروفسور فهد المهنا، عميد طب جامعة الملك فيصل (السابق).

الملاحظة الأولى في هذا الجانب هو غياب الجهات الرسمية كمديرية الشؤون الصحية، عن كثير من هذه الحلقات والفعاليات وهي المنوط بها الإشراف والتنظيم لقوانين المزاولة المهنية الصحية. أعلم أن المبرر قد يكون بأن تلك محاضرات وعظية أو دينية وتلك أكاديمية تنظيرية، ولكن تلك طبيعة الأمور لا يمكن وضع الخطوات التنفيذية دون تأطير نظري كاف لها، كما لا يمكن القفز على طبيعة المجتمع وفعالية العنصر الديني في توجهاته.. الغياب يمتد لطلاب الكليات الصحية والطبية ممارسي المستقبل عن ما يدور من نقاشات في هذا الموضوع، وبالذات في الكليات الطبية التي هي بحاجة تعزيز الوعي لدى ممارسي المستقبل بأهمية الالتزام بالمعايير الأخلاقية والأدبية في مجال الممارسة الصحية.

نقدر الجهد المبذول في هذا الشأن ولكن يجب أن ننتقل من دور الخطابة والوعظ في مجال الأدبيات والأخلاقيات والخلق إلى البحث في النظم والآليات التي يمكن عن طريقها تطوير نظام أو (كود) أدبيات الممارسة الطبية والصحية، نحو الأفضل. كما يجب أن لا يجنح بنا الحماس والرغبة في التأصيل الديني إلى الإيحاء بأن المناهج القائمة بكليات الطب والمزاولة الصحية مليئة بالمعتقدات والتصورات المخالفة للمبادئ الدينية الإسلامية، فهناك فرق يجب أن ندركه بين الحديث عن أخلاقيات الممارسة الطبية والحديث عن أخلاق الطبيب الشخصية، فمصطلح أخلاقيات الممارسة الطبية بغض النظر عن دقته كمصطلح في التعبير عن مبادئ وقيم الممارسة الصحية، يركز على الجوانب المتعلقة بواجبات وحقوق الممارس الصحي والمستفيد من الخدمة الصحية والممول للخدمة الصحية والمبادئ والطرائق التي تحفظ تلك الحقوق، ضمن إطار أخلاقي إنساني يلتزم به الممارس الصحي والمؤسسة الصحية وكل من له علاقة بالمجال الصحي. أي أنها موضوع تنظيمي استرشادي متطور ليصبح ذا صيغة قانونية ملزمة في المجال الصحي، وليس موضوع طبيعة الفرد الذاتية وأخلاقه الشخصية خارج نطاق الممارسة الصحية.. فعلى سبيل المثال الحديث عن تدخين الطبيب وتكبره وأنانيته الشخصية خارج تعامله الرسمي مع المريض يصنف ضمن الأخلاق الفردية وهنا الطبيب مثله مثل غيره من البشر ندعوه للتحلي بالأخلاق الفاضلة ويجب أن لا توصم الممارسة الصحية لدينا بأنها غير أخلاقية بسبب السلوكيات الفردية للأطباء خارج نطاق عملهم المهني.. أما الحديث عن الحفاظ على سرية المعلومات التي يقدمها المريض فتلك مبادئ طبية يحاسب عليها الطبيب متى أخلّ بها عن طريق العمد أو الإهمال، وهي ما يجب أن تلزم المؤسسة الصحية والممارس الصحي باتخاذ كافة السبل لتحقيقه.

يجب أن نعترف بأ ن الممارسين الصحيين في المملكة من أطباء وغيرهم ينتمون إلى جنسيات عديدة ومدارس مختلفة، بل وديانات ومذاهب مختلفة، وبالتالي يصبح المطلوب هو تطوير نظام للممارسة الصحية عام يراعي الحقوق الإنسانية بما لا يخالف المبادئ الدينية والإدارية والاجتماعية لدينا، وبالتالي يمكن تطبيقه على أنه قوانين أو مبادئ أخلاقية قابلة للتطبيق دون اسقاطات طبقية أو عرقية أو مذهبية.

أخيراً أشير إلى أن هناك نظاماً للممارسة الصحية في المملكة وهناك جهود مبذولة في هذا الجانب من قبل بعض الجهات وعلى رأسها الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، ولكن غياب المعلومة وعدم المشاركة في تطويرها جعل البعض يتحدث عن خلق نظام للمزاولة المهنية، بدلاً من مناقشة ما هو قائم من نظام وما طُرح من أدلة إرشادية والبحث في سبيل التطوير نحو الأفضل والتحول من مجرد نصوص بلاغية إلى قوانين خطط وتطبيقية تخضع لمبدأ الثواب والعقاب، وليست مجرد كلمات تتلى في المنابر.

أضف تعليق