أدبيات التغيير: بلسم الصحة

كتبت عن أدبيات التغيير كمقدمة نظرية لقراءة بعض التغييرات الجذرية والكبرى التي تريد بعض الجهات أو القطاعات أو المؤسسات إحداثها في تركيبتها الإدارية والتنظيمية وفلسفة عملها ( مقال 20مايو 2007) وكما وعدت بوضع نماذج محلية راغبة في التغيير تحت المجهر، أختار وزارة الصحة لتكون تحت مجهرنا في هذا المقال. وزارة الصحة، حسب تصريحات مسؤوليها تقدمت بمشروع تغيير جذري للنظام الصحي السعودي، وقد أطلق على ذلك المشروع “بلسم” عله يكون البلسم الشافي لعلل الجهاز الصحي. ليس مجالنا مناقشة التفاصيل لكننا نركز على عملية التغيير، هل يتم إجراؤها وفق معايير علمية ومنهجية واضحة؟

أشرنا إلى عدة مراحل رئيسية يتطلبها التغيير، ووزارة الصحة بدأت بمرحلة تبيان الخطوط الرئيسية للتغيير والنتائج المتوقعة، و(ربما) لديها تصور حول المنتج النهائي للنظام الجديد الذي تريد إحداثه وتسير في طريق الحصول على الدعم الإداري للبدء فيه، لكن الإشكالية التي حدثت بعد ذلك تمثلت في حرق المراحل الأخرى وتسلسلها في خطة أو خارطة التغيير، كمرحلة إشراك المستفيدين والمتعاملين والعاملين ومن لهم علاقة بالقطاع الصحي بالتغييرات المراد إحداثها وتأثيرها على كل منهم. على سبيل المثال: يمثل الأطباء وبقية الممارسين الصحيين عنصراً رئيساً في القطاع الصحي، لكنهم لم يشركوا في الخطة ولم يتم إطلاعهم على تفاصيلها وليس هناك من يعلم كيف ستكون طبيعة عمل الطبيب في ظل التغييرات المقترحة وكيف يستفيد أو يخسر؟ القطاع الصحي الخاص والقطاع الصحي التعليمي والعسكري، كيف سيكون وضع كل منهم في ظل النظام المقترح وكيف ستكون علاقاتهم مع المؤسسة الصحية المقترحة أو الوزارة المقترحة؟ هناك حديث عن الخصخصة، ثم هناك حديث عن إنشاء مؤسسة ثم إقرار إنشاء شركة تحتكر توريد الأدوية، والقطاع الخاص هنا لا يعلم مفاهيم الخصخصة التي تتبناها وزارة الصحة. لست أتهم وزارة الصحة بأنها لا تملك الإجابات، لكنها لم تقدمها ولم تطرحها ولم تناقشها (إذا افترضنا وجودها) مع كل من له علاقة بالتغيير، واكتفت بعرض بعض الملامح على بعض الإعلاميين غير المتخصصين وفق ترتيبات إعلامية بحتة.

المرحلة الحاسمة بالنسبة لعملية التغيير تتمثل في اختيار قيادة تنفيذية فعالة قادرة على إدارة خطة التغيير. وزارة الصحة لم تختر القيادة وكأنه يراد من معالي الوزير ووكلائه القيام بمهام الإشراف والتخطيط والتنفيذ للخطة أو النظام المقترح الجديد، وهذا يخالف المتعارف عليه في أدبيات التغيير التي تستحدثها المنظمات الكبرى (ذكرت في المقال المشار إليه أعلاه ولا نريد التكرار).

لا ننكر الرغبة والحماس نحو التغيير والتطوير، لكنه من المهم فهم آليات التغيير واتباع الإجراءات والخطوات العلمية المتعارف عليها في هذا الشأن لأجل ضمان جودة مخرجات التغيير المنشود.

أضف تعليق